الصفحة 1076 من 3036

عاش كل من محمد إقبال والنورسي في فترة عصيبة من حياة الأمة الإسلامية، هي فترة العقدين الآخرين من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، فقد ولد الرجلان في فترة واحدة تقريبا (ولد محمد إقبال عام 1877م- وولد بديع الزمان النورسي عام 1876) (1) وشهد الرجلان وهما في فترات التكوين الأولى ما تتعرض له أمتهما من هوان على يد الاستعمار الغربي من جهة، وبعض الحكام الفاسدين من جهة أخرى. فكان الاستعمار الغربي يأتيها ينقصها من أطرافها، ويسعى إلى الإجهاز عليها حضاريا، وكانت الخلافة العثمانية، على ضعفها، تمثل رمزا تتوحد تحت ظلاله أمة الإسلام، فتجد لها الدول الغربية هيبة لذلك، فلم يبق إلا أن تتآمر من أجل الإجهاز على هذا الكيان الذي بقي يمثل الخيط الرابط بين أجزاء هذه الأمة المترامية الأطراف، وكانت تركيا، مقر عاصمة الخلافة، أقرب الأجزاء إلى الغرب وأكثرها تعرضا للاحتكاك به كل حين، فلا غرو أن تكون أكثر الأقطار الإسلامية بلاء، وكانت الهند -على النقيض من ذلك- أبعد تلك الأطراف، إن لم تكن أبعدها على الإطلاق، ولكنها كانت في الوقت ذاته جوهرة التاج البريطاني، ولم يكن من اليسير أبدا التفريط فيها، لأن في ذلك انفراطا لعقد الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس. وعندما دخلت بريطانيا الهند كان للمسلمين فيها شأن عظيم، وكانت الإمارات الشمالية خاصة تحت إمرة المسلمين، ولكن الضعف الناتج عن الانصراف إلى ملذات الحياة الدنيا كان أخذ من ذلك الكيان مأخذه. في هذا الظرف بالذات كان كل من بديع الزمان النورسي ومحمد إقبال رجل القدر في حياة أمة، بتعبير الأستاذ أورخان علي. لقد كانت حياة الأستاذ بديع الزمان حافلة بالأحداث الجسام، وهي تمثل ملحمة إنسانية حقا، ولا يملك قارئ سيرته الخصبة إلا أن يسلم أن الأستاذ كان فعلا رجل القدر في حياة أمة، وقد جعل همه الأول إنقاذ الإيمان،

(1) أنظر كتابي أبي الحسن الندوي وإحسان قاسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت