أما بديع الزمان النورسي فقد تبحر هو كذلك من الثقافة الغربية، فاطلع على فلسفتها ومذاهبها الفكرية، وبرزت مواهبه في تفنيد المذاهب الفكرية والفلسفية المنحرفة. ومما يذكر هنا أن كلا الرجلين أدرك تلك المكانة الرفيعة في وقت مبكر من السن. وقد آنس بديع الزمان ذلك من نفسه، إذا لما رحل إلى إستامبول عام 1896م، وهو دون العشرين من العمر، علق لوحة على بابه كتب فيها: (هنا تحل كل معضلة ويجاب عن كل سؤال من دون توجيه سؤال لأحد) (1)
حب العربية:
كان كل من بديع الزمان النورسي ومحمد إقبال رجلا أعجميا غير عربي، ولكن لما كان كل واحد منهما يجعل القرآن الكريم زاده، ومبتداه ومنتهاه، لا يصدر إلا عنه، ولا يستظل إلا بظله، تشربا حب العربية ودافعا عنها ورأياها من تمام الدين. فأما بديع الزمان فكان إتقانه للعربية عظيما، وحبه لها كثيرا، وقد بدأ التأليف بها قبل أن يؤلف بالتركية، إذ كان أول ما نشر له بالعربية كتابه القيم: (إشارات الإعجاز) ، ثم في سنة 1921م (قزيل إيجاز في المنطق) . وفي أنقرة ألف: ذيل الذيل- الحباب وأجزاء أخرى من المثنوي العربي النوري.
أما باللغة التركية فنشر في سنة 1923م (السنوحات) .
ولقد كتب بديع الزمان رسائله بالتركية، بالخط العثماني، المعتمد الحروف العربية، ولما ألغى مصطفى كمال استعمال هذه الحروف، عُرض على بديع الزمان نقل رسائله إلى الحرف الجديد، ولكنه كان يأبى إلا أن تظل بالحرف العثماني/ العربي، إلى أن شرح الله صدره لهذا الأمر في أواخر سنوات عمره، بعدما ألح في ذلك بعض طلاب النور وشرحوا له الفائدة العظيمة في نقل الرسائل إلى الحروف المستحدثة، لما في ذلك من تعميم فائدتها على الأجيال الناهضة.
(1) رجل القدر: أورخان محمد علي، استانبول 1955م/ ص37.