الصفحة 1082 من 3036

أما محمد إقبال فقد كتب دواوينه الأولى بالأوردية أولا، ثم كتب بعد ذلك سائر دواوينه بالفارسية، لأنها في رأيه أكثر انتشارا. أما العربية فلم يؤثر عنه أنه كتب بها، إلا أنه كان لها محبا، وفي علومها متبحرا، وإلى تعليمها وتلقينها كافة المسلمين داعيا، إذ لا سبيل إلى النهوض الحضاري إلا بالقرآن الكريم وتدبره، ولن يكون ذلك أبدا إلا عن طريق العربية. وقد رأينا كيف أن إقبالا خبر العربية في بلده، على يد الأستاذ مير حسن، أستاذ الفارسية والعربية، وكان إقبال شديد الإعجاب به. وقد ذكر أبو الحسن الندوي أنه قدم لمحمد إقبال ترجمته لقصيدته البديعة (القمر) ، فتصفحها محمد إقبال ووجه إليه أسئلة عن بعض شعراء العربية يختبر به دراسته وثقافته (1) ، وهذا لا يكون إلا ممن خبر العربية وأسرارها. ومما يدل على اطلاع إقبال على آداب العرب وأشعارها ما رواه عنه الشيخ أبو الحسن الندوي في آخر زيارة له. قال الندوي رحمه الله تعالى:"واسترسل في الكلام وأفاض وتحدث في كل موضوع، تحدث عن الشعر العربي القديم، وتحدث عن إعجابه بصدقه وواقعيته، وما يشتمل عليه من معاني البطولة والفروسية، وتمثل ببعض أبيات الحماسة، وذكر أن الإسلام أثار في أتباعه روح الكفاح وحب الواقع، وأن علوم الطبيعة تلتقي مع الإسلام على الجد والعمل والبعد عن البحوث الفلسفية التي لا جدوى منها.." (2)

وقد تتبع أبو الحسن الندوي العوامل التي كونت شخصية محمد إقبال، فذكر أنه تخرج من مدرستين: المدرسة الأولى هي مدرسة الثقافة العصرية والدراسات الغربية، وهي مدرسة -على أهميتها- أمرها هين، وأما المدرسة الثانية التي كان لها أعظم الأثر في شخصيته فهي مدرسة متميزة، لأنها مدرسة داخلية تولد مع الإنسان، ويحملها الإنسان معه في كل مكان، وهي مدرسة القلب والوجدان، وهي مدرسة تشرف عليها المدرسة الإلهية وتمدها القوة الروحية.

(1) روائع إقبال: 10-11.

(2) روائع إقبال: 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت