ولقد كانت يقظته الوطيدة مظهرا قتاليا تجنيديا لا غبار عليه. ذلك لأنه شب صافي النظرة، بيده كشاف قرآني يعاين الحقائق من خلال نوره البهيج، ويرصدها واضحة الأوصاف والنعوت، ويسمى الأشياء بأسمائها فلا يقول للأسود أبيض ولا للأبيض أسود، ويُقَوِّمُ المعطيات بكفايتها، دونما بخس أو تهويل.. وتلك خصيصة تحيل على براءة المغرس وبقاء الروح محتفظة بلحائها الفطري، مما كان له أبلغ الآثر على عقلية النورسي وروحيته، إذ برئت بواطنه من الخدوش والندوب، فخلت نفسيته من العقد، وعاش التلقائية بحكمة تتلقى استنارتها من استعداد الفطرة المصونة، ومن توقد روح مهيأة للتفتح على الكمال والشمولية، ومن قابلية حبلى بمقدرات قريحية خام، تؤهله لأن يدشن الفذاذة على أكثر من صعيد ..
ولا بدع أن يكون النورسي على هذا الحظ من اليقظة، ذلك لأنه ثوري بالطبع وبالمشيئة، أو كان ثوريا بالقوة والفعل كما يقول المناطقة، الأمر الذي كفل له أن يكون على ذلك المستوى من الرهافة الوجدانية والحصافة العقلية والقوامة النفسية والذهنية ما جعل مواقفه وأفعاله تتسم - منذ الطفولة - بسمة المسؤولية والتحدي، وتلك حال تلازم أهل الشأن لا سيما إذا كانت نزوعاتهم متعلقة بمُثُل الخير والفضيلة والصلاح كما هي حال النورسي رحمه الله..