الصفحة 1096 من 3036

وإذا ما أردنا استكناه مقومات منزع اليقظة بوصفها سلوكا يميز - ليس فقط الثوار وأهل البلاء السياسي والاجتماعي والفكري - ولكن يشمل أيضا عباقرة الفن وأصحاب الأرواح الحبلى بالإبداع .. فسنرى أن طاقة الروح حين تستفيض على النفس وتغمر الملكات والقابليات بأنوارها فإن بصيرة الانسان سرعان ما تترامي وتحتد وتلقي بوهجها عبر أقطار الدائرة جملة ..ولذلك فإن النابغة يجد تلك القدرة الحدسية والاستشرافية الفائضة من أعماقه تشع وتنتشر على الفضاء مِنْ حواليه، وتهيئ له نطاقا من الوعي والحضور بحيث يغدو الفرد على صلة حيوية ليس فقط مع المحيط الضيق الذي يتحرك فيه، ولكن أيضا مع أبعاد تخترق الزمان والمكان ليعيش مخاضات عصره، وليرهص لتحولات آجلة يكون له فيها إسهام فعلي على نحو أو آخر..

لقد تجسدت يقظة النورسي في العراكات الفكرية والمعرفية التي خاضها منذ نعومته، وظهرت في مجانبته للاختلاط الحميم بالغير حتى حين كان طفلا، وتجلت أيضا في حربيته، وفي رهافة توقعاته وسرعة تجاوزه للإشكالات والانسدادات سواء السياسية منها أو الفكرية أو حتى العقائدية، وذلك بما أوتي من قدرة على لقط الحقيقة ومبادهتها، وتحصيلها على الفور الحدسي الذي أوتيه أهل الأرواح والجلوات..

ومما لا شك فيه أن النورسي لو اقتحم بقريحته مجال الفن المحض والإبداع الأدبي لكان له شأن، وهو ما تنم عنه عروض سردية قصصية المنحى زخرت بها رسائله.. بل إن حفوله الخيالي المشبوب ليتبدى في هذا الجنوح الثابت إلى الإعراب التصويري القائم على التمثيل وضرب الشواهد، وعلى المحاورة وبناء المواقف.. وفي ذلك إعراب عن أدبية كامنة، صُرِفَتْ عن نطاقها العرفي المحض، لتستثمر أروع ما يكون الاستثمار في حقل الدعوة إلى الله وإرساء دعائم التوحيد..الأمر الذي جعل رسائل النور تتصف بكل الخصائص الفنية التي تجعل منها - على صعيد الأدبية - لوحات ابداعية، فائقة الشعرية..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت