فهرس الكتاب
ومما لا ريب فيه أن اليقظة .. يقظة الروح والمواجد، تأخذ مظاهر عدة في سلوك الانسان، وتتجسد على صورة سجايا كثيرة، من حيث تحولها في النفس - بالاستحكام والتوطن - إلى مهارة تلقائية، بل إلى حكم نزوعي يفاعل به الانسان الوقائع، ويقدر نتائجها بذات البداهة التي يتلقاها بها، وهو ما يجعل من اليقظة الروحية رديفا للحس السليم وللتمييز الحدسي السديد.. وما ذلك إلا لأن اليقظة الروحية تضحى عند أهل التقوى بصيرة ترى بنور الله ..
وفي ما يخص حياة النورسي، فلقد تجلت تلك السجايا وبصورة عملية ميدانية، وعلى مدى أطوار من سيرته، لا سيما في الجانب العراكي العنيف من تلك المسيرة، إذ استحال النورسي بها - زمن الحرب - فدائيا يقود سراياه وينزل الضربات القاتلة على الأعداء مباغتة ومن حيث لا يشعرون.. إن اختيار أسلوب الكمين والتكتم ليعكس روح الإقتصاد والتسديد، والضرب في الصميم التي ميزته - ليس في حياته الحربية وحدها- ولكن في حياته الاجتماعية أو المدنية كذلك..
وإنه ليسوغ لنا أن نسجل هذا الأفق الذي تتسع له دائرة البحث في حياة النورسي، وفي سيكولوجيته ،والذي يجسده منهجه العملي وأسلوبه الميداني .. لقد امتلك النورسي روح النفاذ، من حيث امتلاكه لنفسية تتحلى باليقظة التي لا تترك للطوارئ إلا ذلك الهامش القدري الذي لا دافع له كما يؤمن النورسي، وهو ما يسوغ تجنده المستمر، وأهبته الدائمة، واستنفاره غير المنقطع.. وكل ذلك عاشه ليس فقط على صعيد الروح التي ظلت آخذة بمبدأ الإيمان المقرون بالعمل الصالح والدائب، ولكن على صعيد الفعل والأمر الواقع الذي انخرطت فيه حياته كلية، ومنذ عهد الصبا.