فهرس الكتاب
إننا نجد حوادث كثيرة - تعد من صميم المغامرة - قد عاشها النورسي وتمرس بها وخرج منها على أكمل ما يكون قوة وصلابة، غير أنه لم يتخذ منها شواهد لِعِزٍّ شخصي أو مجد ذاتي، ولا جعلها خلفية إخبارية يومئ إليها كلما شاء أن يُذَكِّرَ بمرصود عطائه لأمته وملته.. وكل ذلك يكشف طبيعة الانخراط التجندي الخالص الذي طفق يقتحم به المعارك الحاسمة، بدءا من واقعة تخندقه على خطوط اللهب الأولى حين دعاه الواجب الملي والوطني إلى الجهاد..
لقد ظلت ذكرياته الحربية، وما وقع له في الجبهة من أحوال الابتلاء، وما لحقه في الالتحامات من شدائد وإصابات، وما استتبع ذلك من وقوعه في قبضة العدو، وما عاشه في الزنزانة من تجارب المنافحة الإيمانية وإظهار الأنفة وتحدي المخاطر، وما أسفرت عنه محنة الاعتقال من انعتاق أمكنه أن يفلت من الأسر وأن يشق آماد سيبيريا الثلجية مطاردا، مستترا، عائدا إلى جبهة القتال، ليستأنف دوره في المعركة التي لم تكن متكافئة، والتي كان يعرف أنها مصيرية، وأن مستقبل الأمة معلق بها وبما ستفرزه من نتائج على الصعيدين القومي والعالمي..
لقد ظل ذلك كله حبيس المواجد لا يكاد النورسي يومئ إليه إلا في معرض الترشيد والموعظة .. بل لقد أضحت تلك الذكريات مناط عاطفة مفعمة بالحمد والشكر والامتنان لربها بما هيأ وما أتاح لها من أسباب التوفيق والحماية .. ولم نلمس قط فيها أي وازع اعتدادي أو غروري يخرج الحدث عن نطاقه القدري المكين ..
بل إننا لم نعرف بعض تفاصيل تلك المرحلة إلا من خلال ما رواه بعض طلبة الإمام، مما يدل على أن النورسي لم يكن من الصنف الذي يعيش على مراجعة دفتره التجاري استنفادا لوطأة البطالة أو الإفلاس أو لدغدغة مشاعر الغرور التي تتضخم بها تفاهة النفس المنحطة..