فهرس الكتاب
وحين سيخلع بزة القتال- وإن كنت أجزم بأنه لم يرتدها يوما، لا لأنه كان يخل، طبيعة، بالأصول، ولكن لأنه كان أزهد في كل ما يمت إلى الشكل والشعار العرفي بصلة - سنجده يثب من خندقه مباشرة ليلتحق بصعيد متفجر آخر سيواصل منه قدره الكفاحي.. قدر كان أكثر مرارة وأكثر استماتة، لأنه سيجمعه بعدو من بني الملة، وبأحلاف تُبَيِّتُ الغدر والكيد للدين والحضارة في كنف وعي ملِّيٍّ عام، منعدم، أو لا يكاد يبين ..
لقد تحول النورسي من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وكان عليه أن يستنفد أقصى الجهد في البلاء المصيري، وذلك بمواجهة مستويات عتيدة من الكفر والنكوص، وبمنازلة أبطال وطوام من العتو والجحود كان من جملتهم السفياني ..
وهكذا انخرط النورسي في المعركة السياسية - بلا تحفظ وبكل سفور - منذ تلك اللحظة التي بادر فيها إلى التصدي بحمية المقاتل الأصيل إلى ثورة الفرق المجندة والفصائل العسكرية المستوفزة.. لقد هيأت يومئذ الدوائر المتربصة بالأمة، المرجل المتفجر، وأشعلت فتيله في صفوف الجيش، وورطت القادة وفاقمت الوضع، وطمرت مفتاح الأزمة بحيث خلقت جوا خانقا من البلبلة كانت فيه كل الجهات تشعر بأنها عرضة للخطب المجهول، دون أن يكون هناك طرف منها قادرا على أن يتصدى لإزالة الغموض وتبديد السدف السوداء المنذرة بالشر ..
لقد هيأت الدوائر المعادية للأمة، والمتربصة بالعثمانية، المناخ الملائم للإجهاز على الخلافة وتنضيد الأرضية التي ستنشأ عليها الدولة الجديدة .
ومعلوم أن الخلافة ظلت دائما - لا سيما زمن السلطان عبد الحميد الثاني - تعترض بقوة وقطع على تمرير البرنامج الصهيوني، سواء في خلخلة التماسك الاسلامي الذي كانت الخلافة تنهض به على كل حال، أو فيما يتعلق بمرامي تهجير يهود العالم إلى فلسطين..