فهرس الكتاب
مما لا شك فيه أن النورسي الذي انخرط - بعد الحرب - في العمل السياسي بنفس الاندفاع الذي انخرط به في الحرب من قبل، قد أخلص للمهمة السياسية والمدنية التي نهض بها أو بالأصح التي شاء أن ينهض بها على الحلبة السياسية.. فمن المعلوم أنه رسم لنفسه أهدافا استراتيجية منوطة بمستقبل الأمة، فلذلك نجده قد اختار الاشتغال بالحقل التعليمي ..
لقد حمل في جعبته - حين قصد أنقرة - مشروع بناء مدرسة الزهراء، تلك المؤسسة العالية التي أرادها أن تكون على غرار الأزهر، تخرج الأجيال المتنورة، وتوحد مشربها، وتهيئها للمستقبل..
لقد كان بالفعل شخصية على قدر كبير من الوجاهة والتأثير، فعلمه الثر ونضاله الميداني ومعاناته الحربية، وديناميته التدبيرية التي أظهرتها الأحداث والمناسبات الطارئة، جعلت منه معْلَما سياسيا ودينيا تسعى إلى تقريبه والتقرب منه مختلف الدوائر المدنية والسياسية في العاصمة العثمانية ..
كما أن تلك الوجاهة التي اكتسبها في زمن قياسي، فضلا عما كانت تتركه مواقفه من أصداء، وما تحدثه بياناته من ردود أفعال، كانت جميعها تربك الساسة من أعداء الدين أيما اِرباك، فكان من ثمة تخوفهم من تصاعد دوره المميز، ومن نشاطه المتنامي، لذا كان لابد من ترتيب القيود التي تحد من نفاذه، وتهيئ المجال لتدجينه، وتلك خطة كانت على الدوام جاهزة في يد النظُم والسلط المنحرفة، تتبعها لتكبيل وإخفات كل صوت ترى فيه خطرا يشوش على اِيقاعها المنسوج بخيوط التآمر والخيانة والجهل والإضرار بالمصلحة العليا للوطن والأمة..
لقد حدثنا النورسي عن إغراءات كان النظام يضعها في طريقه من أجل أن يلحقه بالصف .. ولكن النورسي لم يكن يبحث عما يملأ الحِجْر كي يرضى ويسكت، لقد كانت مواجده متعلقة بسقف من العزة والسؤدد الروحي تسترجع به الأمة توازنها العالمي وتباشر به من جديد مسيرتها كرائد للإنسانية على طريق الخير..