الصفحة 1105 من 3036

لقد كان النورسي يرى في انبعاث أمة كأمة اليابان المثل الذي ينبغي أن يستنفر الأمة الإسلامية ويفجر فيها الكوامن من أجل الانتفاض والانطلاق.. وكانت الجلبة السياسية من حوله تظهر من التوثب والتطلع ما كان يبث فيه شيئا من الأمل والوثوق في المستقبل، لكن الأحداث التي أعقبت ظهور الدستور بدأت ترسل إليه من الإشارات الحمراء، ما كان يصدم براءته، ويهز من سكينة إخلاصه..لقد رأى نفسه يُقَدَّمُ في المحافل وتعطى له صدارة، وتعرض عليه تشريفات شكلية ويشرك في كثير من الترتيبات البروتوكولية، ولكن من غير أن يرى لآرائه أثرا أو صدى في ما كان يُتَّخَذُ من أجراءات أو يَتِمُّ من تدابير تهم مستقبل الأمة وتمس حياتها الدينية والاجتماعية والروحية..الأمر الذي استفزه وجعله يشتحن بالغيظ لأنه بدأ يستبين المهانة والاستخفاف بالمثل وبالعزائم من خلال مساعي الاستغفال والإسكات التي رآها تتبع من قبل النطام، والتي كانت ذات طبيعة صبيانية لأنها كانت تتوهم أن اتباع أساليب الإسكات والترضية الشخصية تصلح لأن تخرس كل صوت وتعقل كل لسان.. لقد وجد نفسه يسير في طريق لا تفضي منعطفاتها إلا إلى مزيد من الغربة والانقطاع عن الأصل، والانسلاخ عن الذات..

لقد تأكد أن النظام الانقلابي الحاكم إنما يمشي بالبلاد، ليس في إطار تكريس مبادئ الدين، كما كان النورسي يرجو، ولا كان يركز على الأسس التي تعمق من ارتباط الأمة بأصالتها وتلحم بين طوائفها وأقوامها وتجعلها قادرة على النهوض وبناء المستقبل القوي بنحو ما كانت الأمم - ومنها اليابان - تبني نفسها وتهيئ مستقبلها..

لقد شاهد نظاما مخترقا، شغوفا باستيراد شكليات ومراسيم تُلَمِّعُ الواجهة، وتعمق من فصامية الدولة وانفصال الحكم المتغرب عن الفئات والمجتمع المسلم، الأمر الذي أمَضَّهُ وأهاجه، وجعله يشرع في الصدع بما كان يعمر أعماقه من أفكار وقناعات ترفض النفاق والتلهية والمكر بالشعوب والتفريط في مثلها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت