فهرس الكتاب
بل إن من أساليب الاستدراج وزرع الثقة المغرضة التي تطمح بها النظم إلى تطويق العناصر التي تتخوف من شرودها ومن معارضتها للخط الذي تبيت تلك النظم على اتباعه، حرصُها على إظهار تقديرها لما يصدر عن العناصر محل الحيطة، ولا يستبعد أن تكون علاقة مصطفى كمال بالنورسي قد شُرِطَتْ بهذا التبييت الاستقطابي حتى قبل أن يتقابلا، فلذلك - ونتيجة لتلك الغاية الاستحواذية - لم يتردد مصطفى كمال في التنويه بالمكتوب السياسي: الخطوات الست .. الذي كان النورسي قد أذاعه في مرحلة من حياته استنهاضا للأمة.. فلقد اطردت - في المضمار السياسي - مساعي سلب الإرادة والتنويم بغية جرف الفاعليات الحية عن أرضيتها الروحية، إخلاء للميدان منها، وتسهيلا لتنفيذ مشاريع لا تتوافق وروحية الأمة .. إذ أن ضمير الأمة ووعيها وبصيرتها التي تستشرف بها المستقبل إنما تمثله تلك العناصر الطليعية بإيمانها وبانحيازها للخير والعقيدة..
هذا إذا لم نقل إن مصطفى كمال نفسه، ونظرا لروحه المدخولة، قد تعرض لما يمكن أن يسمى برمجة روحية على يد أعداء الملة، بحيث لم يعتم أن وجد نفسه صنيعة بين الأيادي الآثمة المناهضة للإسلام تجرفه وتصده عن سواء السبيل..
ولم يتردد النورسي وقد فتح عينيه على الخطة الجهنمية التي كانت ترمي إلى تكفير الأمة تحت تلفيقات خلابة واهية، أن يشرد من الصف، وأن يلوذ بالإستغفار، وأن يمسك عما كان فيه من تجنُّدٍ واندفاع..