الصفحة 1110 من 3036

وهكذا سنجده في بعض اعترافاته يقرر أنه أخطأ النهج حين سار - حينا - في موكب الطغاة، وخدم سياستهم، وانخدع لشعارات الخير التي أضلوا بها الخيرين.. لقد طفق النورسي يعلن عن توبته، ويستغفر لتورطه، وانهمك في العمل على التكفير عما أتاه نتيجة التضليل.. بل لم ينته به الموقف عند ذلك الحد، إذ رأيناه يُشَرِّعُ لكل الطيبين، ويشيع بينهم فتواه التي تحظر تعاطي السياسة، وتُشهِّرُ بالسياسة والساسة .. بل لقد قطع الطريق في وجه أتباعه عن أن يخوضوا في السياسة .. مجنبا إياهم أن يهدروا شبابهم في حظيرة لا يلجها إلا ذئات تتقوت على لحوم البشر..

لقد كان حضه لطلابه على عدم الاشتغال بالسياسة دليل توبة واعراب عن خطة محكمة بعيدة الأمد.. فالسياسة الفاعلة والطاهرة عنده هي رهان يضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، وإن باب السياسة القدسية هو الإلتفاف على مخططات السفيانيين بسلاح القرآن، ذلك السلاح الذي سيفعل بهم و بمكائدهم ما فعلت عصا موسى بإفك السحرة الماكرين..

وواضح أن النورسي عند احتجابه الإرادي والصارم عن الأضواء السياسية، قد جنح إلى السبيل الذي كان يُقَدِّرُ أنه سيتيح له الإشعاع الحق الذي لا تعترضه حجب.. ولابد أن نفرق هنا بين هذا التطليق الأصيل لِدُنْيا الأنوار الاصطناعية الذي اختاره النورسي وبين أحوال العزلة التي ألف الساسة ورجال ما يسمى المجتمع المدني أن يضربوها على أنفسهم بعد الصدمات والارتكاسات التي تعترضهم في الحياة العامة، فهم يختارون الغيبة عن الأحداث مؤقتا، تربصا بأفضل السوانح السياسية التي تمكنهم من العودة إلى الركح، ودخول المسرح ثانية بروح المنتصر والآخذ بثأره.. إنها استراحة استجمامية، أو بالأصح تبييض للإعتبار تتجدد به القيمة وتتهيأ النفس لمعاودة المراس السياسي بكل ما ينطوي عليه من دواعي المناورة وترصد الخصم ومجابهته بالمكائد والحيل والأكاذيب..

التعالي الروحي والخلقي أحد سجاياه الأصيلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت