الصفحة 1111 من 3036

لقد كان التعالي أحد السجايا المتأصلة لديه، فهو لم يكن يتوفر على قابلية التحاور مع من لا يشترك معهم في نفس المنزع الروحي الإيماني.. من هنا كان يتأبى عن أن يراعي ما تسميه لغة الكواليس السياسية: اللياقة، حيال من كان لا يجد أرواحهم متفتحة على الدين الحنيف، لا سيما من بني الأمة المنتسبين بالقوة إلى الملة .. من هنا رأينا تصريحاته وردوده عليهم تشتد وتأخذ مستوى من الإحتداد يصفع..

والواقع إن اعتزاله للسياسة لم يكن - كما أسلفنا في غير هذا المكان - مناورة تبيت الهجوم المباغت متى اكتملت العدة، من أجل استعادة الصدارة ودفع الهزيمة .. بل لقد كان هجرًا لواقع موبوء بكل ما يبخس الهمة، ويُمرِّغُ النفس، ويَهُون به الشأن..

من هنا فإن ميله إلى التعالي عن صغار السياسة وعن دجل محترفيها وأفاقيها المكرة، كان ضربا من التجرد الروحي، ومن النزوع إلى المعنوية، أو الى الكينونة الأدبية التي يضحى فيها حضوره وغيابه صِنْوَيْنِ، من حيث نفاذ الأثر الروحي في قيادة الأجيال ..

إنها حال في الواقع تلابس كل القيادات والزعامات السياسية والروحية، إذ أن حلم الدوام يدخل ضمن مطمح محبة الذات والبقاء، إلا أن الأمر - في ذلك - يختلف مع النورسي، إذ أن مطمحه لم يكن بقائيا بالمعنى والتصور المعتادين، فهو يوقن -إيمانا - بألا فناء ولا غياب في هذا الوجود، وإنما هو انتقال من الدار الدنيا إلى الدار الأخرى، وأن الله كتب على عباده أن يمرقوا من إحداها إلى الثانية بميقات وأجل مسطورين، من دون أن يحدث ذلك المروق انقطاعا فعليا في سيرورة المرء ووجوده إلا من حيث الظاهر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت