فهرس الكتاب
فالمطلب الخلودي بمعناه الشخصي، المجدي، الإعتيادي، كما ينشده الساسة والدنيويون، لم يك قط من اهتمامات النورسي، ولا كان هاجسا يجعله دائم التقلب والتبدل من أجل تحبيب نفسه إلى الأتباع وتقمص الأدوار واللبوسات كي يستديم بقاءه على رأس التنظيم أو الزمر أولا .. وكي يؤرقه التفكير- بعد ذلك - في العمل لضمان واسترسال الوجاهة والاعتبار عقب الاختفاء عن المسرح على نحو ما يخطط له الساسة ويتوقون إليه ..
لقد كان هَمُّ النورسي الأوكد أن يرسي قناعة جماعية روحية تكتسب ماهيتها من القرآن، وتؤسس دوامها على دوام القرآن، وأن تُحقق ذلك المستوى من التجرد الذي اكتنف الطلائع المؤمنة من أتباع محمد- صلى الله عليه وسلم - وأَدْمَجَها في شخصية القائد - صلى الله عليه وسلم - الذي مضى بها على الدرب، لا ليطفئ أو يطمس هالة النور التي ظل كل عنصر من تلك العناصر يستمدها من المصباح الرباني المحمدي، ولكنه مضى بالقافلة المبرورة وجعل من أفرادها نجوما مشعة، وهاجة الضياء، من حول قمر مكتمل، وضاء..
لقد ظلت وحدة السلف من الصحابة، ولحمتهم، وجماعيتهم المتراصة من حول الرسول - صلى الله عليه وسلم -، سواء في حياته أو بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى، ماثلة في وجدان النورسي، يستلهمها في سيرته مع طلابه، ويريد لتلك السيرة أن تقبس من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الأكرمين مسلكها، وأن تسترسل على وفق مسارهم الذي سدَّدَ فهَدَى..
ولم ينفك النورسي في هذا الصدد يُهيب بالأتباع أن يتحلوا بروح الوحدة والجماعية، وقد لبث يرص هذه القابلية في نفوسهم على نحو رأيناه يستنفر له شتى الشواهد والبيانات التي يتوفر عليها التراث وسيرة الأسلاف.. لقد كانت سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، نبعا ثرّا ظل النورسي يتمثله في سلوكه ،و يستلهم منه دروسه من أجل ترسيخ وازع الوحدة في ضمير الأتباع..