الصفحة 1117 من 3036

لقد كان تشبثه بالبيِّنات القرآنية في التدليل على الوحدانية تشبثا قويا وراسخا، وكانت قناعته في ذلك التدليل ووثوقه به تتساوقان بصورة مبهرة مع التوجه العقلي الحصيف الذي تتكرس به العقلانية القرآنية المتوازنة بين الروحي والفكري ..

بل لقد كانت تلك القناعة الروحية تنعكس على الكيفيات العقلية التي طفق يستقرئ بها أسس الإيمان من خلال متون الآيات والسياقات القرآنية..

لقد كان يستجلي في كل موطن قرآني شواهد مترادفة دالة على الوحدانية .. وهو ما جعله يبدي كثيرا من الدهش لتلك البصائر التي تَقْصُرُ عن استبانة ما كان هو يستبينه بيسر متناهٍ من أوجه الحق واليقين فيما يقع عليه بصره من آي القرآن الكريم..

بل لقد ظل يحيل إلى تلك الجلاوة الاستبصارية الثابتة التي اكتسبها والتي باتت لا تخطئها معاني القرآن وحججه الحصيفة الدالة على التوحيد في سائر آي الله البينات..

على أنه ظل يسوغ ذلك التفاوت بين العقول من حيث سهولة اهتدائها إلى الحقيقة القرآنية أو صعوبة ذلك عليها، بالاختلاف الذي يقع لرجلين يستقيان، فأما أحدهما فقد كان من قدره أن يستجلب الماء من آماد وأبعاد لا يتأتى له تذليلها إلا بتثمير كثير من العتاد والتقنية ومن باهظ الإمكانات .. وأما الآخر فإنه، يتوفر على آلة نقب، لا يجس بها بقعة من الأرض إلا انبثقت مياهها وفارت ثرة، غزيرة، وهادرة بالعذوبة والسلسبيلية ..بهذا التصور ظل النورسي ينأى بالحجة القرآنية عن أن تستند في إقرار قيمها الإيمانية على المساند الوضعية:الفكرية أو الفلسفية، لما يميز الحجة القرآنية من وضوح وصلابة ووجاهة تكفل لها الإفحام، وتؤكد من منزلتها المعنوية التي لا تمارى، من هنا كان النورسي يرفض أن يدعم القرآن بقيم الحكمة حتى على صعيد المطارحات الفكرية، لغناء القرآن عن أن يقف على غير دعاماته العقلية الصميمة....

بسالته..وحربيته الاستراتيجية بعيدة المدى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت