فهرس الكتاب
لم يكن النورسي صاحب مزاج جدالي أو روح خطابية، تجعل منه هوية تنتج الكلام، وتطحن الأفكار التي تتناهي إليه، ليتبناها لبعض الوقت، ثم يلفظها ويعاود الطحن والعجن، شأن رواد الصالونات، من الساسة ومثقفي دوائر البطالة، ومحترفي استعراض التقليعات، ممن تزدحم بهم العواصم، ويَتَسَمَّوْنَ النخب..
ولم يكن ذا لسان مشاغب، يصطنع الخصومات على صدور الصحف، ويبيع مهارته الإنشائية لمن يعرض أكثر، خدمة للمستقبل الشخصي والأسروي، وتمضية لمَرْكَبِ الأيام على نحو ما يمضي بأهل الدنيا ..
لقد كان عقله جدليا حقا، ولكن جدل التبيان والتحصيف وإبراز الحقيقة من الزيف، وليس جدل المهاترة وتلبيس الحق بالكذب، والمشاغبة بكل لسان، كسبا لرجاحة آفلة في لحظتها ..
لقد امتلك الطاقة الإبداعية، والذرابة اللسانية، والمنطق المناظر، الغلاب، لكنه صرف كل ذلك إلى تثقيف الأمة ودعوتها إلى الله، وإجلاء حقائق كانت قدراته العبقرية تستظهرها في المنزول وفي المتون الشريفة، ولم يخرج في ذلك عن شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تزعزعه النوائب والإستثارات المهينة التي ظلت قوى الشر تنزلها به، خنقا لصوته ..
بل ظل يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وكانت حقا قوة حجته تأتي في الغالب، لا سيما حين يتوجه بها إلى أعداء الدين المكابرين، من القوة والحسم، بحيث كانت تقزمهم، وتشوههم، وتجعلهم على حال من الهوان منكرة..