فهرس الكتاب
ولا غرابة بعد هذا إذا ما وجدناه يربط - كما أسلفنا القول - بين أسماء الله الحسنى وبين الثورة التقنية والتكنولوجية التي بثقها العقل الغربي وتحكم بها في الرقاب .. لقد كان يرى أن المسلمين، أتباع الدين الإسلامي، أولى بالاستهداء إلى تلك الطاقات التي يتقوى بها العبد المؤمن، ويستوي .. من هنا كانت تجاوزيته، وكان تسديده، ومن هنا كانت شخصيته تمثل التجسيد الحي للتجديد الذي يهيئه الله للأمة على رأس كل قرن..
بل لقد أرسى النورسي الرؤية التي تجعل الأمة تتحول بالجهد الاجتهادي إلى الجبهة المادية التي تضمن لها الفاعلية وتكفل لها قدرة التأثير على الغير لصالح دين الله، فالأمم لا تَتَّبِع ولا تَعْبَأُ إلا بالأمة القوية المتحكمة في المادة ،وفي مصيرها، وبما أننا أمة تبليغ، فالتبليغ بات اليوم العلم، ولابد لنا من تكنولوجية رائدة، وبات أيضا احتذاء، ولابد لنا من المكانة المكينة التي تغدو فيها سيرتنا محل أسوة واقتداء.
من هنا سار النورسي بالتأويل في مسار التفتيق المادي النافع والمفيد.. على أنه ظل يؤمن أن القوة المادية لا تقوم، ولا تترسخ، إلا على قاعدة الإيمان الروحي المطلق، فبالروح يتواصل العبد مع الله، وبتواصل العبد مع الله، تتيسر له سبل البناء، شريطة أن يكون على وعي بأن تعمير الأرض هو من شرائط الكون التي اقتضاها الله على عباده..
لقد خرج النورسي بالاجتهاد من دائرة الاستكانة والإستخارة البليدة، واللانَيِّرة، إلى دائرة الوعي بالدور والرهان على المستقبل الدنيوي والأخروي.. وبذلك وصل حاضر الأمة بماضيها، يوم أن كانت أمة تفتح الآفاق، وتنير البسيطة بالقرآن، وتشيد المدنية التي ازدهرت بها الانسانية ردحا من الزمن..