فهرس الكتاب
لقد قدر النورسي أن الجماعة القرآنية هي التجسيد الفعلي للإصلاح المطرد، وأنها برجاحتها وبامتلائها وبنضوجها ستفيد الأمة أضعاف ما ظلت الأمة تَتَجَمَّمُهُ من أراء المفتيين والمصلحين ممن كانوا يظهرون عبر المراحل، وعلى حال من الانقطاع تجعل من أفكارهم أصداء يتيمة، وغير متمرسة بالواقع العيني، كما ستكون عليه الأوضاع مع طلاب النور، المنبثين في كل مكان، والمرتبطين بالمصدر، وباجتهادات الأقطاب، والمتحلين بسيرة متناهية من التجرد والخلوص لله الواحد الأحد.. والغيرة على أمة القرآن، والتفاني في خدمتها، الخدمة التي لا تنقطع أجريتها ماكَرَّ الليل والنهار..
من هنا كان طلاب رسائل النور هم مجددو العصر كما قدَّر النورسي.. ولابد أن نعي البعد التنظيمي، الانضباطي الذي ينم عنه هذا الإقرار، ذلك لأن النورسي تحلى بهذا الخصلة العالية التي جعلته يتشبث بالتنظيم وبالنظام، وينزع إليهما، وينفر من الفوضى والتشتت، لذا فلا غرابة أن نجده يسند هذه المهمة لا إلى لأفراد، ولكن إلى الجماعة، بعد أن اطمأن إلى أن النظام كان قد استحكم بين طوائف تلك الزمر القرآنية، وأنها قد اكتسبت القدرة التسييرية والتنظيمية التي تجعل من عملها يشع ويشمل الآفاق..
لقد كان دائم المقابلة بين الجهد المنظم الذي تنجزه جهة منضبطة متلازمة، متناغمة، وبين الجهد الذي تتكاثر عليه القوى من غير تنظيم ولا تنيسق، وكان يخرج بنتيجة ترجح القلة المنظمة ومردوديتها المعتبرة على الكثرة اللامنظمة واللامنتجة..
لقد ظلت تجاوزيته تظهر في مواقف عديدة فكرية وسياسية وروحية .. ولعل الموقف الملي الثابت الذي وقفه من مسألة القومية ونفوره الواعي منها كان من الشواهد على تلك التجاوزية البناءة، فالنعرة الشعوبية كانت عنده من مظاهر الجاهلية .. لذا تأبى أن ينساق معها رغم ما لوح دعاتها أمامه من إغراءات ومشهيات..