الصفحة 122 من 3036

لو أعطيتني الدنيا كلَّها .. لو توجتني ملكًا عليها .. لو ملَّكتني زمام أمرها.. لو طويتها ووضعتها في جيبي .. لو حملتها على طبق وقدمتها على مائدة روحي ..لو اعتصرتها في كأس وجعلتني أتحسَّاها حتى الثُمالة.. فإنك ـ في الحقيقة ـ لم تفعل شيئا، ولم تعطني سوى قبضة ريح، وحفنة تراب، لا تلبث أن يلفها الزوال ويطويها العدم، بينما يظلُّ لهيب الشوق في أرجاء نفسي مستعرًا، وصراخ الجوع إلى خبز الخلود يهزّ أسماع الفضاء، ونازع الفطرة إلى البقاء والأبد يهيج في الروح نواحًا كنواح التكالى.

أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، صرخ بوجه الكون: (لا أحب الآفلين ) (الأنعام:76) إمض عني.. تَنَحَّ عن طريقي ..لا أريدك..ليحترق العالم كله..ليتحول إلى رماد..ليطوه الفناء..فليس هو من همّي..وليس هو مطلبي..مطلبي مكوّن الكون..محبتي لمن لا يزول..قلقي بمَنْ لا يفنى ولا يموت..عبوديتي لأبدي البقاء.

يقذف به النمرود بالمنجنيق، يدركه جبريل عليه السلام وهو يهوي نحو النار المتأججة فيقول له: ألك حاجة ؟

فيردّ أبو الأنبياء: أما إليك فلا !

يقول جبريل: سَلْهُ ..أي سل الله حاجتك .

يقول إبراهيم: عليم بحالي غَنِيُّ عن سؤالي . (1)

وفي الحديث: (لو قال: نعم لي إليك حاجة لمحي اسمه من ديوان الخلّة)

النورسي رحمه الله يلخص لنا هذا الموقف الإبراهيمي بعبارتين فيقول:"تعلق أيها المسلم بالأبدي تتأبد..وصل أسبابك بأسباب الخلود تخلد".

في المعراج يقول الله تعالى عن رسوله الكريم (ما زاغ البصر وما طغى) (النجم:17) رغم عظم ما شاهده - صلى الله عليه وسلم - من مظاهر الجلال والجمال في أرجاء الكون، فقلبه الشريف ظل متعلقًا بصاحب الجمال الأقدس والجلال الأعظم، ولم يلتفت طرفة عين إلى الفانيات الكونية، وبهذا حاز مرتبة المحبوبية والأقربية التي لم يحزها نبيُّ ولا رسولٌ قبله .

(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5 /400.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت