الصفحة 125 من 3036

يحق للعربية أَن تفخر بكونها المصطفاة من بين لغات العالم لنزول القرآن الكريم بلسانها. والقرآن قمة ما فوقها قمة في إِعجازه البلاغي، أجمع على هذه الحقيقة بلغاء العربية منذ نزوله قبل أربعة عشر قرنًا وحتى هذا اليوم، فكان لهذه اللغة شرف حمله إلى العالم، وتبليغه إلى البشرية، فعلا قدرها بعلوه، وخلدت على الزمان بخلوده. وإليه يعود الفضل أولًا وآخرًا في حفظها من الزوال والاندثار كما زالت واندثرت كثير من لغات العالم.

والعربية ذات حِسٍّ روحاني، يستمدّ روحانيته من جذورها الغائرة في طبقات التاريخ، ومن عروقها السامّية الضاربة في أصول الديانات والحضارات القديمة، لذا فهي لا تعطي أقصى طاقاتها البيانية إلا إذا كان الموضوع المعالج بلسانها فخمًا عالي المعنى، شريف المقصد، ومتصلًا بسبب من أسباب الروح.

ومن هذه الخاصية جاءت قدرتها الفائقة على أن تكون سماءً عاليةً لألمع نجوم القرآن، ولأسمى معانيه فغدا ارتباطها به ارتباطًا ملحميًا متينًا. فلا يُذكر إلاّ وتذكر معه ولا تذكر إلاّ ويذكر معها ، ومن هذا الارتباط الملحمي بينهما أصبحت علوم العربية وآدابها مدخلًا لا بدّ للدارسين والباحثين في علوم القرآن من الولوج منه، فمعرفة نحو العربية وصرفها وبيانها وبديعها وأسرار بلاغتها هي المدخل إلى أي علم من علوم الدين.

والعربية تنفرد بخصائص جمالية وفنية قلّما نجدها في لغة أخرى، فهي لغة مطواع بين يدي الأديب أو الشاعر، يشكل من طينة كلماتها ما يتسع له خياله من صور وأشكال، ثمّ ينفخ فيها من روحه فإذا المعنى صورة، وإذا الكلمات لوحة، وإذا قلم الأديب قد قام مقام ريشة الرّسّام. فصوّرَ وجسَّم ولوّن، وهذه القدرة العجيبة على التشكيل والتلوين لدى هذه اللغة دفعت ببعض النقاد إلى تسميتها بـ"اللغة الشاعرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت