فهرس الكتاب
ولا أظننا نجانب الصواب إذا ما نعتناها بنعت آخر إلى نعتها الأول فأسميناها"اللغة الساحرة"لما تتمتع به من قوة استحواذ على النفوس، ونفاذ في العقول. وربما إلى هذا الإشارة في قوله- صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ من البيان لسحرًا ) (1)
ويجدر أن نشير هنا إلى أن نعتي"الشعر"و"السحر"كانا المفضلين لدى كفار قريش لنعت القرآن والرسول في بدايات الدعوة الإسلامية. حتى أنّ أعرابيًا جافيًا يسمع قارئًا يقرأ: ( فاصدع بما تؤمر ) (الحجر:94) فلا يملك نفسه فيقع ساجدًا، ولما قيل له:ويحك آآمنت ؟! قال: لا، ولكني سجدتُ لبلاغة هذه الكلمة . (2)
وما من شك في أن ثمة تشابهًا من نوع ما بين السحر والشعر، فكلاهما ينبعثان من قوى خفية غامضة تكمن فيما وراء المعلوم والمحسوس، وكلاهما يستخدمان ما في الكلمات من طاقات بناء أو تدمير. وكلاهما يؤثران في المتلقي سلبًا أو إيجابًا، غير أنهما يختلفان بعد ذلك اختلافًا كبيرًا فيما يصدران عنه وينبعثان منه، فالسحر يستمد قواه المدمرة من منطقة ظلامية رهيبة تختفي في أغوار بعيدة من النفس، بينما الشعر طاقة شعورية إنسانية تستخدم اللغة للتعبير عن نفسها، وتتلون هذه الطاقة بلون المشاعر المنبعثة عنها كالتعبير عن الخير أو الشر، والحزن أو الفرح، وليس هناك حالة خامسة يمكن أن تتلبس الإنسان وتلون مشاعره، وكل الأغراض الأخرى التي قيل فيها الشعر لا تعدو أن تكون فروعًا من أصول تلك الأحوال الأربع.
ولغة القرآن تعلو على هذه المشاعر البشرية جميعًا، ولا تلتفت إليها وهو ـ أي القرآن ـ غير معني بأهواء النفس البشرية أو بالتعبير عنها، لأنه ليس شعرًا ليفعل ذلك، ولا سحرًا أسود ليستثير هذه المشاعر في الهدم والتخريب .
(1) البخاري، كتاب الطب 5767؛ أبو داود، كتاب الأدب 4356.
(2) انظر الكلمات للنورسي ص 346.