فهرس الكتاب
فالقرآن مهتم بقضايا الإنسان من حيث كونه كائنًا كونيًا له رسالة هادفة هي إعمار الحياة والارتفاع بها في مراقي الارتقاء حتى تبلغ مستويات عالية من الجمال المادي والمعنوي .
ولما كانت"العربية"روحية المنبت في أصولها التاريخية الأولى فلا جرم أن يغشاها سر من أسرار الروح، ويكتنفها بعضٌ من قواه الآسرة، والنافذة في النفوس، الأمر الذي جعل القريشين يتوهمون أن ما يسمعونه لا يعدو عن كونه شعرًا أو سحرًا لما كانوا يحسونه عند استماعهم له ـ أي القرآن ـ من تأثير يأخذ بقلوبهم وعقولهم.
وكثرة الوجدانيات في تراث العربية يرجع في جملته إلى خاصيتها الروحية، فهذه الخاصية تغري المنشئين كتّابًا وشعراء أن يستثيروا الجوانب الروحية والوجدانية. فيما يبدعون من نثر أو شعر. فما تعرفه العربية من الشعر والشعراء يكاد يزيد على ما تعرفه الدنيا منهما، ولهذا نستطيع القول: إن العربية لغة الوجدانيات لا ينازعها في ذلك منازع.
وحين نقول: إن"العربية"لغة الوجدانيات، فنعني بذلك أنها لغة الحياة فالحياة أخصب وأوسع من أعظم الأفكار والفلسفات ، والوجدان أعلق بالحياة من كل فكر وألصق بها، فالوجدان والحياة صنوان لا يفترقان.
فنحن نعيش الحياة بالوجدان قبل العقل، ونحياها بالشعور والحسّ قبل الفكر، ومن خلال الوجدان نلمس أجمل ما في الحياة من معانٍ، ومن خلاله نستطيب الحياة رغم آلامها وأحزانها ونستزيد منها، كما يقول أبو العلاء المعري:
تعَب كلها الحياة وما عجبي ... إلا من راغبٍ في ازدياد
وقد قدر للعربية أن تنشأ وتنمو في أحضان الشرق مهبط الديانات ومواطن الأنبياء والرسل، فأخذت وأعطت ، وتأثرت وأثّرت، وكان لها شرف الإسهام في إغناء وجدان الشرق وفي تشكيل نوازعه الروحانية، وبالمقابل فقد تأثرت بما كان يفيض عن هذا الوجدان من أسفار الحكمة والشعر والقصص والأساطير والمراثي والملاحم والبطولات .