الصفحة 128 من 3036

ومن خلال هذا الشرق الخصب الموار بنوازعه الروحية والدينية مضت العربية تشقّ طريقها عبر هذا الزحام الهائل، فمضت تتصفّى وتعذب وترقّ حتى بلغت قمة نضجها وجمالها على لسان خلّص أبنائها من قريش معدن العرب والعروبة. ثم توّج هذا النضج والجمال نزول القرآن بلسانها، فغدت بذلك صلة الوصل بين وجدان القرآن ووجدان العالم في كل زمان ومكان .

إيحاءات داغستانية:

سلامًا ياليل"دربند"

سلامًا ياليل"دربند"..سُقيتَ الرَّوح والريحان..ورويتَ الودَّ والنّحنان..يا ظلَّ الكون على أَكْبُدِنا الحَرَّى ..ويا فَيْءَ الزمن على أفئدتنا العطشى .. طال دربنا ..كلَّتْ أقدامنا ..استوحشت أرواحنا وآدتْ قلوبنا حتّى التقيناك، فإذا بحادي الركب يهتف بنا: هنا نَحُطُّ رِحَالَ العشق، وننصب خيام الهوى..تحت جنح هذا الليل المضمخ بأريج الصحاب (1) ، والمعطّر بِمِسْكِ دمائهم، والنّديّ بندى أرواحهم، والمترع بنور إيمانهم ..!

ناغِنَا..سامِرْ قلوبنا..تعطّفْ علينا.. آنِسْ غُرْبَتَنَا.. دَعنا نستظلُّ بظلك.. ونتفيأ بَرْدَ فيئك.. تدّفقْ حنانًا علينا.. تساكبْ لطفًا فوقنا.. تَوَاجَدْ عشقًا نحونا.. نحن أحفاد أولئك الراقدين تحت سمائك الناشرين الطّيبَ في أنحائك..!

يا ليل"دربند"لا تخش ظمأً بعد اليوم..فبدموع الوَجْدِ مِنَّا سنسقي صحاراك الظامئات، ونروي زهراتِكَ المصوحات.. وبأنين التائبين النادمين منا ستظلك سحائب الرحمة وتتنزل عليك لطائف الودّ، وبهتاف المحبين المحترقين بحبهم ستتفتح أبواب السماء وتهبط عليك الرحمات وتغشاك السكينة، أبدًا لن تجفُّ مِنَّا العبرات.. لله نحزن..وله نسكب الدمع.. وإليه نجأر بالدعاء.. وعلى أعتابه نمرّغ الوجوه.. ويذوب مِنَّا الوجود.. وعلى"باب الأبواب"نرابط نحمي"كلمة الله"من الضياع ونصونها بالمهج والأرواح..!

(1) هم شهداء الصحابة الأربعين الراقدين فوق روابي"دربند" ( داغستان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت