فهرس الكتاب
أولئك الحفاة العراة الجائعون الظامئون الذين اتعبوا التاريخ، فظلَّ يركض وراءهم فلا هم يتوقفون ولا هو يلحق بهم.. إنهم هنا فوق روابي هذه المدينة يرقدون..جائعون حقًا ولكنهم كانوا للحق أشدَّ جوعًا وأعظم ظمأً.. حفاة عراة صدقًا ولكنهم أبدًا لم ينتعلوا أبشار الشعوب (1) ولم يتسربلوا دماء البشر.. أرضيون طينيون ولكن صحبتهم لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - جعلت أرضيتهم سماءً.. وطينيتهم عنصرًا نورانيًا مشعًا وحولت تمراتٍ في كفِّ واحد منهم إلى جمرات محرقات فيقذف بها ويقذف بنفسه إلى رحى الحرب لينال الجنة التي اشتاق إليها واشتاقت إليه..!
أتدرون ماذا كانت تمثل هذه التّمرات في كف ذلك الصحابي الجليل..؟ هي دنياه.. هي ماله.. هي شهوته ولذته.. هي درهمه وديناره.. فلما ألقاها من يده ألقى بكل ذلك وراء ظهره فصار أهلًا للشهادة والجنة..!
أيها الراقدون فوق روابي هذه المدينة.. يا صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.. أعيرونا قوة أرواحكم.. امنحونا صلابة سواعدكم.. ابتعثوا فينا هممكم.. اقدحوا أزندة إراداتنا.. علّمونا كيف نقتحم الأهوال ونصارع الخطوب ونهزم المستحيل.. أمدّونا بحكمتكم.. أرشدونا.. زهّدونا.. لكي نلقي ما بأكفَّنا من رموز الدنيا إلى هاوية الفناء.. خذوا بأيدينا.. امنحونا بركاتكم لكي نؤدي رسالة الإيمان ونفوز برضى الرحمن..!
داغستان / دربند / في شباط 1999
النُّورسي .. أديبًًا
بسم الله الرحمن الرحيم
(الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ.) (الرحمن:1-4)
1-الرحلة إلى منابع الجمال
(1) البشر: جلد الإنسان ومنها قوله تعالى في النار: ( لوّاحة للبشر ) والعبارة كناية عن عدم استعباد الناس وامتهان كرامتهم.