فهرس الكتاب
جئت - أيها الصديق العزيز - تطلب قلب"النورسي"بين قلوب الأدباء .. ؟ حسنًا .. أنا أدلك عليه، وآخذ بيدك إليه .. أنظر. . . إنه هناك .. بعيدًا .. بعيدًا .. وراء تخوم العالم .. وفوق حدود الأكوان. . . سابحا بين عوالم المعاني الفائضة من أسماء الله الحسنى. . . يروح ويغدو متلمسا جمال الوجود، وملتقطا لآلئ الحسن من فوق جيد الأكوان .. هذا العَطِشُ المحترق بعطشه، المتسعر بوجده .. ما ناغى الجمال أحد مثله .. ولا ذاق من رحيقه أحد كما ذاق، ولا شرب كؤوسا مترعة من كوثره كما شرب .. حتى إذا ثمل، وانتشى هوى ساجدا بين يدي الله تعالى سجودا أبديا لم يَقُمْ منه حتى توقف نبضه، وأغمضت أصابع الموت أجفان بصره وبصيرته.
و"النورسي"عقل يفكر، وروح يستعر، وشوق يلتهب، ورغبة تتوجع، وحزن يتفجع .. فأِن لم يخلق هذا أدبا فما الذي يخلقه إذن…؟! وإن لم يصنع هذا أديبًا فما الذي يصنعه إذن .. ؟!
ومنذ نعومة أظفاره وهو فتى يدرج في شعاب قريته، شعر بأنامل الجمال وهي تتحسس مساقط الحياة من سويداء الروح، فإذًا قلبه بلبل غريد يغرد بألف لسان ولسان، وإذا روحه نشيد تتردد أصداؤه بين قمم الكلام من جميع اللغات.
2- ( بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) (سبأ:15)
ومراتع الجمال الأولى لقلبه الفتي كانت قريته"نورس".. إنها بين قرى الأناضول كشعاع الروح في ظلمة النفس .. في الإصباح تتلفع بأوشحة شفافة من ضباب لؤلؤيّ فاغم العطر .. بينما فؤاد الأرض العطش يستقبل زخات مطر بين آونة وأخرى .. وسنابل القمح الذهبية في باكورة الصيف تظل تستقبل بلهفة دفقات حنان من نور الصباح (بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) .