فهرس الكتاب
و"النورسي"في هذا المهرجان الجمالي الذي تتناغم فيه الألوان والصور الأصوات يغدو عينا لماحة نَلُمُّ لآلئ الحسن المنتثرة في الحقل والوادي والجبل، وعلى الشجر وفوق الزهر، وروحا شدها بكل شيء فيغدو وترا مشدودا مستوفزا يتحرك للهمسة، ويرن للمحة والخطفة .. لا شيء عتيق في رأي"النورسي"ولو رآه كل يوم، ولو ألفه وسكن معه وساكنه السنين الطوال، لأنه يرى في"المألوفات خوارق العادات، وفي المكرورات لمسات الخلق الدائرات المتجددات مع اللمحات واللحظات".
3-الوجود والعدم
وتصرخ روحه في ظلمة الليل وقد انتابه قلق مريع وأرق وجيع:
يا للهول ..هذا الموت الذي يطال كل شيء حي هل من منقذ منه ؟ وهذا العدم الذي يطوى كل موجود أما من فكاك عنه ؟
إن قضية جديدة بدأت تتشكل ملامحها في ذهنه الفتي، وتستأثر بجل اهتمامه، وهي قضية الصراع الرهيب بين البقاء المتشبث العنيد، والفناء المتشبث العنيد، منذ أن سمع والده وبعض ضيوفه يديرون حوارا بينهم حول الموت والحياة، والوجود والعدم. وفي إحدى الليالي وهو في الفراش حيث يتقلب على إبرٍ محماة من القلق والأرق، يسأل نفسه:
لو خيرت -يا سعيد- بين العدم والوجود حتى في جهنم الحمراء فماذا كنت تختار؟ ويجيب: إني وبلا تردد أختار الوجود حتى في جهنم الحمراء على العدم، ولئن أكون شيئا ما يحترق خير من أن لا أكون على الإطلاق.
وبعد سنين من تلكم الليلة المريعة، وبعد تفكير عميق في ظاهرتي الموت والحياة، والوجود والعدم يخلص إلى أنه لا فناء ما دام خالق الوجود موجودا، ولا موتا ما دام واهب الحياة حيا، فالفناء في الحقيقة هو عين البقاء، والموت هو عين الحياة.