الصفحة 145 من 3036

هذا بعضُ ما نستشفهُ من ألحانك - أيها البلبل العزيز- وبعض ما نحدسه من تغاريدك .. وربّما أنت تقول أشياءَ أخرى لا نرقى إلى فهمها، وتودعُ أُذُن الكون رسائل لا ندرك كنْهَها . ولا نعلمُ سرَّها .. وربَّما أنت نفسك لا تفهمُ مقاصد ما تؤديه، ولا تدرك مغازي ما تفعله، ولكنك - على رغم ذلك - سعيد بعملك، مبتهج بواجبك .. أما الملائكة والروحانيون المبثوثون في أرجاء الكون، فأنهم أقدر منا ومنك على فهم ما تقول، وعلى إدراك ما تعني، وهم بدورهم يرفعون رسائلك وينقلون أحاديثك إلى أبواب الحضرة الإلهية .

فجهلك - يا بلبلي العزيز - إن كنت جاهلًا حقًا بهذه الغايات والمقاصد لا يعني عدم وجودها، فأنت كالساعة تشير إلى الزمن، وتعلمنا الوقت، ولكنها لا تعلم هي ما تفعل ..

فاعتصرْ لذا ذات عملك من جمال الأزاهير، وتناول أذواق قلبك وروحك من أحاديث الورود، وتمايلهن على الغصون، وابثث ما شئت من أحزان بين أيديهن، فنغماتك مهما بدت حزينةً شجيةً فهي ليست شكاوى وآلامًا بقدر ما هي شكر وثناء وحمد لعطايا الرحمن وآلائه .

ولا يذهبن بك الوهم أيها الإنسان - فتحسب أن"البلابل"، هي لعالم الطيور وحدها، وأن أنواعًا أخرى من مخلوقات الله لا تعرف من يسبح باسمها، ويرفع آيات شكرها وحمدها لبارئها، فلكلِّ صنف ونوع بلبله الخاص به، وحتى العناكب والنمل والنحل لها بلابلها التي تلحن تسبيحها، وتغرد أشواقها ومواجيدها، وهي بالوقت نفسه لها هداياها التي تحصل عليها من خلال عملها، من متع تغريها بالمزيد من الجد في أداء واجبها في خدمة الصنعة الربانية، مثلها في ذلك مثل القبطان الذي يقود سفينة سلطانية في عرض البحار، فأنه زيادة على المرتب الذي يتقاضاه من خزانة الدولة فهو يستمتع ويلتذ بما يشاهد من مناظر جمالية تعرض له أثناء إبحاره وتطوافه بين الضفاف والشطئان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت