الصفحة 146 من 3036

هكذا فلكل نوع من أنواع الكائنات بلبله الذي يلتقط من مجاميع النوع الذي يمثله ألطف حسياته، وأرق مشاعره، وأعذب مواجيده ثم يغرد بها ويشدو، ويسجع وينشد، فما من أُذُن في هذا العالم، وما من سمع في هذا الكون إلا ويلتقط ما يناسبه ويلذه من هذه الألحان والتغاريد من أصغر المخلوقات إلى أكبرها، وقسم من هذه"البلابل"ليلية التغريد، فهي تنشد قصائدها في دواوين الليل الساجي، فتحرك بهذا النشيد في هدوات الليالي مكنونات القلوب، ومشاعر الأرواح، تماما كما يفعل الأقطاب والمرشدون في تحريك الذاكرين، وتنشيط المتكاسلين من الدراويش والمريدين في حلقات الذكر وعندئذ يبدأ الجميع- كُلٌّ بلغته الخاصة على قدر حاله - بذكر الله سبحانه وتعالى والتوجه إليه بالشكر والمحبة والتعظيم والخشوع .

إذن فكل نوع من أنواع الموجودات - وحتى الأفلاك والنجوم - لها رئيسها الذي يقود حلقة الذكر فيها، وبلبلها الذي يلحن في عتمة الفضاء الوسيع أنوارها، ويغرد أضواءها ..

ولكن، أ تدرون من هو بلبل البشرية وعندليبها، وصاحب مواجيدها و أشواقها، وحامل آلامها وآمالها، والهاتف بصوت عقلها وقلبها .. ؟ !

أنه أفضل بلابل الكون وأشرفها .. وأعذبها صوتا وأعلاها نداء وأرقها مشاعر وألطفها حسا .. وهو المع بلابل البشرية من الأنبياء والمرسلين نورا، وأتمهم ذكرا، وأعظمهم شكرا، وأكملهم ماهية، وأجملهم وأبهاهم صورة .. ذلك الذي كل الكون بستانه .. وكل الوجود زهرته .. وكل الموجودات أغصانه، والأرض والسماوات روضه .. باعث الأشواق إلى الله .. وحادي القلوب والأرواح إلى بارئها وكل البشرية أوراده .. المغرد بالقرآن، والصَدّاح بآيات الله، محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - (1)

12-في مراعي"بارلا"

يقول"النورسي":

(1) : انظر الصفحات 133 ، 134 ، 135 ، 136 من كتابي ( رجل الإيمان في محنة الكفر والطغيان، أنوار نشريات، إستانبول، تركيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت