الصفحة 147 من 3036

بينما كنت على قمة جبل في"بارلا"أيام منفاي، أسرح النظر في أشجار الصنوبر والقطران والعرعر، التي تغطي الجهات، وأتأمل في هيبة أوضاعها وروعة أشكالها وصورها، إذ هب نسيم رقيق حول ذلك الوضع المهيب الرائع إلى أوضاع تسبيحات وذكر جذابة واهتزازات نشوة شوق وتهليل، وإذا بذلك المشهد البهيج السار يَتَفَطَّرُ عبرًا أمام النظر، وينفث الحكمة في السمع، وفجأة خطرت ببالي الفقرة الآتية بالكردية لـ ( أحمد الجزري ) وهي:

( لقد أتى الجميع مسرعين من كل صوب لمشاهدة حسنك إنهم مبهورون بغنج جمالك ودل سلطانك )

ويمضي"النورسي"فيقول:

وتعبيرا عن معاني العبرة بكى قلبي على هذه الصورة:

يارب .. إن كل حي يتطلع من كل مكان، فينظرون معًا إلى حسنك، ويتأملون في روائع الأرض التي هي معرض صنعك .

فهم كالدعاة الأدلاء، ينادون من كل مكان، من الأرض، ومن السماوات العلى إلى جمالك

فترقص تلك الأشجار، الأدلاء الدعاة جذلة من بهجة جمال نقوشك في الوجود . فتصدر أنغاما شدية وأصداء ندية من نشوة رؤيتهم لكمال صنعتك .

فكان حلاوة أصدائها، تزيد نشوتها، وتهزها طربا، فتزداد تغنجا ودلا ودلالا .

ولأجل هذا هبت هذه الأشجار للرقص الجميل منتشية منجذبة . يستلهم كل حي صلاته الخاصة، وتسبيحاته المخصوصة من آثار هذه الرحمة الألهية وبعد التزود بالدرس البليغ، تنتصب كل شجرة قائمة فوق صخرة شماء، فاتحة أيديها متطلعة إلى العرش .

لقد تسربلت كل شجرة بسربال العبودية ، ومدت مئات من الأيدي ضارعة أمام عتبة الحضرة الألهية كأنها ( شهباز قلندر ) (1) .

وتهز أغصانها الرقيقة كانها الظفائر الفاتنة لـ ( شهناز الجميلة ) (2) مثيرة في المشاهد أشواقا لطيفة وأذواقا سامية.

(1) كان خادما لدى الشيخ الكيلاني ، وتربى على يديه ، حتى ترقى في مراتب الولاية - المؤلف .

(2) حسناء شهيرة بجمالها وجمال شعرها وظفائرها - المؤلف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت