الصفحة 148 من 3036

لكأن هذا الجمال يهز طبقات العشق، بل يمس أعمق الأوتار و أشدها حساسية أمام هذا المنظر المعبر يرد على الفكر ما يذكره بأنين حزين، وبكاء مرير، ينبعثان من أعمق الأعماق، المكلوم بألم الزوال الذي يصيب الأحبة المجازية . إنه يسمع أنغام الفراق والألم الشجية على رؤوس أشهاد العاشقين المفارقين أحبتهم، كما فارق ( السلطان محمود ) محبوبه.

وكأنَّ هذه الأشجار بنغماتها الرقيقة الحزينة تؤدي مهمة إسماع أصداء الخلود لأولئك الأموات الذين انقطعوا عن محاورات الدنيا وأصدائها .

أما الروح فقد تعلمت من هذه المشاهد:

إن الأشياء تتوجه إلى تجليات أسماء الصانع الجليل بالتسبيح والتهليل، فهي أصوات وأصداء تضرعاتها وتوسلاتها .

أما القلب فأنه يقرأ من النظم الرفيع لهذا الإعجاز، سر التوحيد في هذه الأشجار كأنها آيات مجسمات.

أي: إن في خلق كل منها من خوارق النظام وإبداع الصنعة، وإعجاز الحكمة، ما لو إتحدت أسباب الكون كلها وأصبحت فاعلة مختارة لعجزت عن تقليدها .

أما النفس، فكلما شاهدت هذا الوضع للأشجار، رأت كأن الوجود يتدحرج في دوامات الزوال والفراق، فتحرت عن ذوق باق، فتلقت هذا المعنى: ( إنكِ ستجدين البقاء بترك عبادة الدنيا ) .

أما العقل فقد وجد انتظام الخلقة، ونقش الحكمة، وخزائن أسرار عظيمة في هذه الأصوات اللطيفة المنبعثة من الأشجار والحيوانات معا، ومن أنداء الشجيرات والنسائم، وسيفهم أن كل شئ يسبح للصانع الجليل بجهات شتى .

أما هوى النفس فأنه يلتذ ويستمتع بحفيف الأشجار، وهبوب النسائم، وينال ذوقا رفيعا بنسيمها ( أي النفس ) الأذواق المجازية كلها، حتى إنها تريد أن تموت و تفنى في ذلك الذوق الحقيقي، واللذة الحقيقية بتركها الأذواق المجازية التي هي جوهر حياتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت