الصفحة 149 من 3036

أما الخيال فأنه يرى كأن الملائكة الموكلين بهذه الأشجار قد اختاروا جذوعها سكنا لهم وأغصانها أردية لهم . وقصباتها هواتف إشراق ترسلها أجوافها أنين نايات شجية، وكأن السلطان السرمدي قد ألبسهم هذه الأجساد في استعراض مهيب على إيقاع حزين من حفيف الشجر ومما ترسله النايات من شجي الألحان، فتظهر تلك الأشجار أوضاع الشكر والامتنان له بشعور تامّ، لا أجسادًا ميتة فاقدة للشعور فتلك النايات الساحرة الأنغام الصافية الصوت، اللطيفة الأصداء، كأنها منبعثة من موسيقى سماوية علوية، فلا يسمع الفكر منها شكاوى آلام الفراق والزوال، كما يسمعها كل العشاق، وفي مقدمتهم ( مولانا جلال الدين الرومي ) بل يسمع أنواع الشكر للمنعم الرحمن، وأنواع الحمد تقدم للحي القيوم .. ) (1)

13-الهاوية والسقوط

الانحلال الذي دب في روح الأمة العثمانية، و عاث فسادا في عقلها آخر أيام حياتها قد وأد ذاكرتها الإيمانية، ومسح مرآة وجدانها من كثير من صور الأمجاد التي حفل بها تاريخها الإيماني، بينما توقف زمنها العتيد صامتا حزينا في انتظار عودة الذاكرة الموؤدة إلى سابق عهدها، غير أن معاول الهدم التي كانت تهدم في كيانها منذ أجيال بصمت كتوم كادت تجهز على البقية الباقية من هذه الذاكرة، وأدى ذلك إلى زوال التأثير الإيماني على مجمل حياة الأمة الأدبية و الفكرية مما دفع بحياتها الثقافية إلى تيه من اليباب والخواء، والرأس الذي كان يوما ما يناطح سماء العظمة الإنسانية بدأ يتطامن ويطاطئ حتى لامس غبار الأقدام، وشحنة العظمة التي كان توهجها يضئ الخافقين عادت رمادا، ومن ماضيها السحيق ما قبل الإيمان إنبثقت أفكار تريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والعودة بها إلى وثنيات ما قبل إسلامها .

14-النجم الهادي

(1) : الكلمات ، الصفحات 242 ، 243 ، 244 ، 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت