الصفحة 1450 من 3036

لقد كانت سيرة السلف تقع من خلده في الوجدان وهو يتحدث عن الحرية.. فهؤلاء السلف سادوا حين رادف الاسلام في ضمائرهم معنى البرنامج الحضاري الحياتي، وحين حل من نفوسهم محل العقيدة التي لا تربطهم بها تحفيزات الساسة والقادة، ولا تقوي من أثرها في قلوبهم النتائج المصلحية المحسوبة سلفا، بل لقد كانت محبة الاسلام مكينة في نفوسهم، فارتقت بهم إلى ذلك المستوى من الملابسة الالتزامية الإرادية، بحيث أضحى الصحابي ركنا اجتهاديا يتصرف بروحه ومواجده الفانية في محبة الله بما يروق لتلك الروح أن ترى عليه الموقف البشري يزداد ألقا، بفضل سماحة الاسلام ورحابة مبادئه المنافية لكل ما يخدش الكرامة والمجد الانسانيين..

وطبيعى - والحال هاته - أن يقرب النورسي - وهو الانسان الواقعي - الصورة التي يريد من الأمة أن تكونها في مضمار السعي والحركة المدنيتين، فقد استفظع وبقوة، ما كانت أصوات التغريب تنادي به من ضرورة الأخذ بمنهاج الغرب وبمفاهيمه وقيمه ( وهذه الدعوة تتضمن بطبيعة الحال، خيار ترك ما ينبغي تركه من المقومات ومنها الدين..) ، من هنا راح النورسي يطرح مثال الأمة اليابانية التي كان يدرك أنها تسير على خطا تحافظ فيها - وبصرامة ومهارة - على نقطتي الاستناد والاستمداد التي تؤطر بها حركتها وتؤصل تجربتها وتعزز أصالتها الحضارية العتيدة..

من هنا راح النورسي يحرض الأمة، ويوعز خاصة للزمر المستلبة، بأن تأخذ بنهج الشعب الياباني الذي عرف كيف يتجنب الوقوع في مطب الاستنساخ المدني الأخرق، وعرف كيف يأخذ من مدنية الغرب جوانب البناء فقط، لا جوانب الهدم والتحلل".. ينبغي لنا الإقتداء باليابانيين في المدنية لأنهم حافظوا على تقاليدهم القومية التي هي قوام بقائهم، وأخذوا بمحاسن المدنية من أوروبا، وحيث إن عاداتنا القومية ناشئة من الاسلام، وتزدهر به، فالضرورة تقتضي الاعتصام بالاسلام." (1)

(1) صيقل الإسلام ص468.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت