فهرس الكتاب
ومن الواضح أن سير الأحداث قد جعل النورسي يتفطن إلى ما كانت تحمله الحركة الانقلابية من مخاطر تهدد الآمال التي علقتها الأمة على ميلاد الدستور، لذلك رأينا خطابه سرعان ما تحول من الدعوة لاحتضان الدستور، إلى الدعوة إلى منهاضة الاستبداد.. وكان حتما أن يجرَّ عليه وَعْيُهُ الحاد بما كان يتغلغل في النفوس من كيد للعقيدة وتبييت لضربها، نقمة الحكام الانقلابيين..يزيدهم حقدا عليه وتوجسا منه ما أبداه من نشاط عَمَّ الحياة المدنية وحتى العسكرية، سواء في حملات الشرح التي كان يرادفها لفائدة الدستور ،أو من خلال اهتمامه بالأوضاع المستجدة ..
وربما كانت حوادث 31 مارس التي تظاهر فيها العسكر -مطالبين من جملة مطالب كثيرة - بتطبيق الشريعة، وما رافق ذلك من صدامات وسفك دماء، والدور البارز الذي قام به النورسي بتلقائية المصلح، المدرك لمغبة الشقاق الذي يتهدد الأمة، ربما كان تلك الحوادث من أهم السباب التي عجلت بانعطاف حياته في اتجاهها الروحي الصرف..
لقد أسعفته إرادته الحرة، وروحه الطليقة المتحررة من عقال الأغراض الشخصية، أن يتجند وينهض بأعباء تنوء بها كواهل الرجال الذين لم يتهيأوا على نحو ما تهيأ هو له روحيا واجتماعيا ونفسيا.. وذلك ما عبَّر عنه في بعض مواقفه، إذ قال:
إن عناصر الأغراض الشخصية ومصالحها المخلة بإخلاص النية - من نسب ونسل وطمع وخوف - لا تعرفني ولا أعرفهن، بل لا أريد أن أتعرف إليهن، ذلك لأني لست صاحب نسب شهير كي أجدَّ في صون ماضيه، ولست صاحب أولاد كي أسعى لضمان مستقبلهم، ولكن لي جنون أي جنون حتى أَعْجَزَ المحكمةَ العسكريةَ بهيبته ورهبته في علاجه، ، ولي جهل مطبق - وأي جهل - حتى جعلني أميا لا أستطيع قراءة المكتوب على الدينار والدرهم . أما التجارة الأخروية ..