فهرس الكتاب
فملاذ القُصَّرِ ومن خانتهم بصائرهم الكليلة عن إدراك دلائل الإيمان فيما يحيط بهم من علامات ربانية جلية ،هو الجحود والتشبث بالأضاليل، إذ أن رؤسهم الفارغة تأبى أن تنحني إلى الأرض وترعوي إلى سلطان الحق، فهي في شموخها الأرعن أشبه بسنبلة خاوية تتطاول برأسها إلى السماء، تتراقص مع كل هبة ريح، غافلة عن أن حتفها سيكون بفعل الريح.."إن الذين عجزوا عن استيعاب المسائل الإيمانية المحيطة الواسعة جدا، والعميقة جدا، في عقولهم الصلدة، الضيقة - معنويا- ويقروها في قلوبهم الفاسدة الميتة - تجاه المعنويات - يقذفون بأنفسهم إلى أحضان الكفر والضلال، فيغرقون. (1) "
النورسي يسعى إلى تسييج العقيدة والإيمان في القلوب من خلال الحديث عن مسائل الغيب وما فوق العقل
لم يفتأ النورسي يسيج حِمى العقيدة مخافة أن تخترقها عاديات الوهم، وهذا من خلال تصديه للأفكار المغرضة التي كان ترويجها يستهدف ضرب القيم..
من ذلك تناوله لظاهرة الوحي.. فقد عقد حديثه عن موضوع الوحي من أجل أن يبين الحدود والفوارق المميزة بين (الوحي ) والإلهام..
ولا شكَّ أن الواقع التصوفي والطرقي الذي كان يومئذ ضاربا أطنابه في المجتمعات الاسلامية والمجتمع التركي بخاصة، دفع الداعية إلى وضع هذا البيان التوضيحي الذي قصد من ورائه إلى أن يعيد للوحي قيمته الروحية الحق .. تلك القيمة التي كانت كثير من الاجتهادات المتداخلة - بعضها ناتج عن جهل أو اعتقاد خاطئ، وبعضها الآخر متولد عن حقد وتبييتٍ ودسٍّ - ماضية في الاستخفاف بها، وربما أتت تلك التلبيسات في أحيان كثيرة، بطرق ملتوية مخافة إحداث الصدمة ..
من هنا كان ديدن المفسدين - للوصول إلى أغراضهم التشكيكية - الرفع المتواصل من شأن الإلهام، تكريسا لمكانة الدنيوي، ولو عن طريق تلك الصورة الروحية والاجتماعية التي كان التصوف يجسدها في الوعي الجماهيري المسلم..
(1) الشعاعات ص139.