الصفحة 1467 من 3036

إن القول بعدمية الكائن وبآنيته، وفنائه، هو قول لا يرتكز على روح.. وإننا إذا ما قيدنا الوجود الإنساني بتجربة حياتية، بيولوجية، محضة، أنتجتها - افتراضا - السيبة الوجودية، والصدفة المتوحشة، فكيف لا يحق لنا - وبالنظر إلى هذا الارتقاء الباهر الذي انتهت إليه حياتنا الفردية والكونية ضمن إطار الوحشية والصدفة الذي يزعم الزاعمون أنه أساسها - أن نتساءل عن سر عجز هذه الإعتباطية النمائية التي حققت مرافق هذا الكون وجهزته وعمرته بالمخلوقات التي لا تنحصر أجناسها وأصنافها ومستويات حياتها في لون أو شكل أو نظام، في أن تنشئ له الامتداد الذي يعطي للوجود معنى ومعقولية، ويبعده عن المصير الانسدادي المتوج بالموت كما يتوهم الدهريون ؟.

فإذا ما كفرنا بوجود الجنة مثلا أو جهنم أو بغير ذلك مما أنبأ عنه القرآن من أمور الغيب، فإننا نكون أغلقنا الأفق الرحيب الذي فتحه الدين وأعطى به معنى أبديا لكينونتنا.

إن الكفر بجهنم - وهي مثابة القصاص الذي أناطت به العقيدة سلوكنا غير القويم - هو انحياز للعدم المحض. (1) . وهو بالتالي إقرار بهمجية الإنسان الذي لا قامع يكفه عن الخيانة والتعدي على حقوق الغير، إلا إذا أقر بما قرره الله مصيرا للمخلوقات ..

إذ أن الضوابط الموضوعية، الخارجية، لا تصمد طويلا أمام جنوحات الانسان، لو لم يكن لهذا الانسان قوامع أخرى ذاتية، يستمدها من أواصره بعالم الغيب..

الحكمة من وراء تناظر الخير والشر

"إن تقابل الخير والشر في هذا الكون واللذة والألم، والنور والظلام، والحرارة والبرودة، والجمال والقبح، والهداية والضلالة، وتداخل بعضها في بعض، إنما هو لحكمة كبرى، لأنه ما لم يكن هناك الشر فلا يدرك الخير، وما لم يكن هناك الألم فلا تعرف اللذة...فقياسا على هذا يمكن أن يعرف كل شيء من جهة بضده، وبوجود الضد يمكن أن تثمر حقيقةٌ واحدةٌ حقائقَ عدةً".. (2)

(1) الشعاعات ص.287

(2) الشعاعات ص290.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت