الصفحة 1483 من 3036

لقد قاد منهج الاقتراب التأويلي الذي سلكه النورسي في بحوثه وتأملاته الفكرية إلى الخوض في موضوع البلاغة واللسان ،و إلى معالجة قضايا فلسفة البيان .. ليقرر -بعد تمرس عميق - أن السبيل إلى استكناه حقيقة الفحوى القرآني إنما طريقها استيعاب أسس بلاغة العرب وأعراف منطوقها وليس السعي إلى تحقيق ذلك القصد بواسطة تحكيم الفرضيات الفلسفية ومسلماتها..

لقد تحدث النورسي في المقالة الثانية من كتابه"صيقل الاسلام"عما أسماه عنصر البلاغة، فتناول ظاهرة تَكَوُّنِ الكلام وصلة اللفظ بالمعنى، وظاهرة الترادف وتعدد الدلالة، وطبيعة الصورة ومسار تشكلها في عملية بناء الخطاب .. (1)

ومن الواضح أن النورسي كان متأثرا بالمدرسة الجرجانية القائلة بنظرية النظم.. لقد عزا للعجمة واستفحال أدوائها، سبب تفاقم الظاهرة الشكلية في اللغة العربية، وذلك حين تركزت الجهود على الجوانب اللفظية، وتناست أن البلاعة هي نظم المعاني .. لقد نوه النورسي بعبد القادر الجرجاني، ووصفه بالعملاق . (2)

ومما قرره النورسي في هذا السياق أن تعاطى الأعاجم والدخلاء لصنعة البلاغة العربية قد حول الذوق البلاغي عن مجراه السليقي العربي المطَّرِد في بناء الفكر والإعراب عن المقاصد من خلال فاعلية نظم المعاني، ليضحى ذلك الذوق مأخوذا بعملية صناعة اللفظ والاهتمام بالشكل والقشرة.

فالأساس في الأفكار - كما يقرر النورسي - أنها تجري من خلال انتظام المعاني، أي بواسطة منطق يستوعب الأشياء والمدلولات ويسوقها إلى الذهن على هيئة مرتبة تمكنه من أن يباشر مهمة التوصيل والتبليغ القويمة ..

(1) صيقل الإسلام ص 108.

(2) صيقل الإسلام ص 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت