الصفحة 1484 من 3036

فالمبتدئون من الأقوام المنتمية إلى الحضارة العربية، وإلى اللسان العربي أعاروا العناية للفظ، متأثرين بالوازع التعليمي الذي كان يستجيب للحاجة اللفظية وتحصيل المرصود المعجمي الذي يوظفونه كلاما وكتابة.. من هنا غدا حب اللفظ والحرص على تقديمه والصدور عنه في المخاطبات، مرضا أصاب الثقافة العربية الإسلامية بالترهل وهوى به في حضيض الصنعة الشكلية..

إن الكلام الحي يشيع الحياة في المدلولات، ويجعلها ماثلة أو ناطقة حيال الذهن، وهذا نتيجة لما يضفيه عليها النطق الخطابي من حيوية وحضور تتشخص به المجردات، وتتماهى من خلاله المعقولات..

فالأسلوب هو القالب المقدود الذي يتمظهر فيه الكلام، لذا كان دور الخيال في بناء المعطى الكلامي شرطا حيويا، إذ أن الإعراب عن الموقف يتخطى الخطية والتماثل العيني الذي تأخذه الأشياء والمدلولات في ساحة الواقع، لينتظمها سلك معنوي يؤدي فيه الخيال وظيفة إلحامية وتمثُّلية تمكن ذهن المتلقي من أن يلمس ما يوعز به القائل، من خلال المعطى القولي، دونما استغلاق..

من هنا كانت مراتب الأسلوب تتفاوت بحجم تفاوت مُقَدَّرات الخيال التي يتوفر عليها كل متكلم، وهو ما تعكسه - من خلال ما تبدعه القرائح - مستويات الجمالية المتباينة التي تتوفر لمنتوج كل مخاطب على حدة ..

فبنية الخطاب تنتهي إلى سقف بيانيتها حين تتوافق عناصر الخطاب ومواده اللغوية و تتلاحم ثم تتظافر باقتدار وأصالة على أداء المعنى القصدي، فلا يكون بينها حشو ولا نبو ولا تخرج لبنة لفظية منها عن مساقها المعنوي الذي تهيأت له ، فعندئذ تستوي البنية الخطابية وتحوز الكمال، وذلك هو ما تأهلت له بتفَوُّقٍ لا مردَّ له الآياتُ القرآنيةُ، إذ"أن جميع الآيات القرآنية يتلألأ عليها هذا الانتظام والتناسب والحسن". (1)

(1) صيقل الإسلام ص 102

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت