فهرس الكتاب
من الثابت أن للكلام سفارة.. ومكونات الخطاب هي الوفد الذي لا يمكن أن تغيب عنا أدوار عناصره ضمن نطاق المهمة المتوخاة.. فوظيفة كل عنصر لا تشترط بروز مكانة ذلك العنصر بالضرورة، إذ أن منزلة ما، قد تبدو ثانوية في سلك الخطاب، تعد مركزية بالنظر إلى قيمة الارتكاز المسند إليها ضمن السياق..
ويدل على هذا الاقتضاء، رتب الكلام ودواعي التقديم والتأخير والحذف والإماء التي تشرطها البلاغة..إذ أن في تقديم هذا العنصر الكلامي أو ذاك أحيانا قصدا تركيزيا يقتضيه شرط الإفصاحُ المبينُ..
فالمقام يقتضي تواشج المكونات الخطابية في ما بينها تحقيقا للإبانة وللاِشراق الجمالي الراسخ..
إن للبيان فلسفة افصاحية متعددة المناحي والمستويات، وهذه الفلسفة تتبدى على صعيد القول الشعري في صورة فنية مخصوصة، وتتبدى على نطاق النص النثري في صورة أخرى.. وهو ما يعكس الرؤية التي تأخذها الحقائق الموضوعية في ذهن ووجدان الباث.. فإذا كان الشعر هو لغة الإيعاز، فيجب أن تغدو صورة الحقائق التي تعرب عنها الشعرية، صورة إيماضية، إشارية، لا تعبأ بتحقيق العلائق والترابطات الموضوعية ( الواقعية ) التي يظهر بها المشهد الحسي من خلال خطوطه وتجسيماته الشاخصة والمسترسلة في التفاصيل التي تتعين بها أشكال الأشياء وجسومها في عين الحقيقة ..
على عكس النثر الذي يدقق في ماهية الأشياء ويواصفها في كلية أعيانها وقوالبها وجزئياتها وخطيتها وشيئيتها الخارجية أو الحسية..
من هنا كانت بلاغة الكلام الشعري تحتوي على ظلال الحقيقة أو على ما يشبه الحقيقة كما يقول النورسي، لأن رسالة الشعر مناطة بالوجدان، فيما كانت بلاغة النثر تحتفي بالحقيقة العينية، إذ هي تتوجه في مقام أول إلى العقل..