فهرس الكتاب
فكما أن للنحو فلسفته التي تظهر في معيار التناسب والتواصل بين مقومات الكلام، فكذلك للبيان فلسفته ومحورها"التمثل بنواميس الحقائق الخارجية ومقاييسها.. أي تمكين قوانين الحقائق الخارجية في المعنويات والأحوال الشاعرة من حيث القياس التمثيلي، وبطريق الدوران وبتصرف الوهم". وهو ما يجعل"البليغ يتمثل أشعة الحقائق المنعكسة من الخارج كالمرآة، وكأنه يقلد الخلقة، ويحاكي الطبيعة بصنعته الخيالية، وبنقش كلامه..". (1)
ولما كانت عملية صوغ الكلام موصولة بالكيفية الدقيقة التي تتراصف بها المعاني وتترابط، بحيث يتولد من ترابطها مدد إدلائي معنوي تتعزز به القابلية الأدائية للخطاب وتتسع طاقة الإعراب، كان على الباث أن يعي باقتدار وبحساسية إفصاحية متناهية، ذلك التحول الدلالي الذي تأخذه الالفاظ حين تمارس عليها القريحة ضربا من التفريغ لتشحنها بدلالات مستجدة، تكتسب بها معطى أدائيا فيه إيحاءات هي جُماع لأصداء المعنى المتجاوز وروح المعني المودع، وظلالا من هذا وذاك تكتسب بها الخطابية نكهة الجدة والتناسب التي يقتضيها المقام..
فتلقيح المعاني وتشريب بعضها ببعض، وجعلها تتجاذب فيما بينها وتستمد من ذاتها ومن مستتبعاتها قِوامَ إفصاحيتها، هو ما يضفي عليها هالة جمالية ترفل بها طبقات المعنى، ويخرج الكلام من عتبة التسطح، إذ بدون ذلك التلاقح يكون الكلام"عريانا، عاطلا من حلة البيان". (2)
فجمالية الكلام تقوم أساسا على سماكة معناه، وعلى قابلية الإيعاز التي يحققها ترادف ألوان الدلالة فيه ..
فالمعنى العاري معرَّض للابتذال والبِلى، لأنه وليد التعاطي الإجتماعي العمومي، ومجاله بطبيعة الحال النثر الحياتي الذي تتداول به الطبقات الإجتماعية شؤون حياتها وتعيينات مشاغلها ..
(1) صيقل الإسلام ص 108 .
(2) صيقل الإسلام ص 109.