الصفحة 1488 من 3036

أما مظاهر الجدة الأدائية والصون المعنوي، فهي التي تنبثق من قلب اللغة، وتشف عنها هالة القناع المجازي البكر، فتظل في ستر المصونية، لا تسأم العقول من تمليها وهي على تلك الهيئة غير المنتهكة، وإنما تنشط الحاسة في تشرب مكوناتها الدلالية، ويستقرئ العقل في مقومات عذريتها مزيدا من الإفادة ..

فـ"الذي يعطي الكلام عظمة وسعة هو أن المقاصد القادمة من أبعد هدف وأعلاه - وهو مقصد المقاصد- يرتبط بعضها ببعض، ويكمل أحدها نقصان الآخر، ويؤدي الواحد منها حق جاره، حتى كأن وضع هذا في موضعه يُمَكِّنُ الآخر في مكانه، ويقر الآخر في مستقره .." (1)

فالتعالق المعنوي من أهم وسائل بناء المقاصد، وجعلها تتكشف على نحو استعاري، وذلك هو ما قصد إليه الجرجاني بعبارته"معنى المعنى.." (2) . وذاك هو أيضا ما نوّه به النورسي وصدر عنه في ما كتب بالعربية على الأقل..

ذلك أن الفحوى الذي يهدف إلى بنائه خطاب ما، يقتضي - ضرورة - أن تتواطأ معطيات السياق جمله في التدليل عليه والإدلاء به..

ولا يمكن في هذا الصدد أن نعتبر تواتر إشارات بعينها أو بمضمونها، يعني حتما التكرار، ذلك"لأن لكل أصل من الأصول وإن لم يكن له ارتباط بالذات، وقَصْدٌ بالنتيجة الرفيعة، فهو في الأقل يهزها ويكشفها إلى حد ما، فكأن الكلام يشير بتباين الأصول - التي هي مظهر ومرايا - وبوحدة النتيجة والمتجلَّى، إلى تجرد المقصد وسُمُوِّهِ، واتصال قوته الحياتية بحقيقة الحياة الكلية، حياة العالم المسماة بالدوران العمومي." (3)

(1) صيقل الإسلام ص 110.

(2) أنظر كتابه دلائل الإعجاز

(3) صيقل الإسلام ص.111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت