فهرس الكتاب
ومما لاشك فيه أن طبيعة المجتمع المعاصر، حيث عمت دواعي الاختلاط بين الجنسين وفي مختلف الأصعدة، قد يسرت من عملية مَدِّ العلائق اللاشرعية بين الطرفين، فالزمالات في العمل والدراسة وفي الجيرة وفي النقل ومجال المعاملات الأخرى .. قد كفلت لذوي النزوع الانحرافي أن يتعاطوا الآثام بيسر، إذ أن مباشرة المرأة لرفيقها يوميا بعيدا عن جو الحرمة البيتي، وفي مناخ اجتماعي وثقافي أضفى على معنى الفعل الجنسي طابعا ترفيهيا لا صلة للإخلاق به، جعل من الخيانة الزوجية سلوكا شائعا ومطروقا في أحاديث أوساط الرجال والإناث ..
بل لقد مضى المجتمع بعيدا في طريق الغواية والفحشاء، إلى حد مقارفة الشذوذ الجنسي بالمجاهرة .. كل ذلك تأسيا بأوروبا..
في هذا الوضع تجد المرأة السافرة نفسها قد أحلت جسدها وشرفها منذ المنطلق في محل العرض، إذ لا يتورع المتعامل معها، ولو في خرجتها السوق، عن أن يطلب حاجته منها دون أن يجد في ذلك حرجا ما دامت ثقافة العري قد تمادت في تشييء المرأة وجعلها طعاما عموميا يناله الجائع على الطريق..
وفي مقابل ذلك فإن المرأة المحجبة تجد في حجابها ما يكسر نظرة التطلع إليها، إذ أن الحجاب علامة صَدٍّ وتدليل على النهج التصوني الذي اختارت المرأة أن تسير فيه، لا يُتَصَوَّرُ أن يجرأ معه أحد على تجاوز عتبة اللياقة، اللهم إلا إذا ندَّتْ عن المرأة المتحجبة نفسها بوادر تطمع الآخر فيها.. إذ لا ننسى أن الحجاب قد استخدم أيضا للتمويه والتستر على الغواية.. لكنه يبقى مع ذلك، دليلا عرفيا وأخلاقيا على الاستقامة وعلى التمسك بالطهر، وعلى التصون..
ثم يلتفت النورسي بعد هذا إلى تسجيل حقيقة أخرى تتعلق بالنتائج والآثار السيكولوجية المترتبة على وضع الاختلاط والعري المبذول .. فالرغبة الشهوية أو الفحولة الرجالية تنكسر على إيقاع تَوَطُّدِ ظاهرة التعري الأنثوي، الأمر الذي ينعكس بالسلب على عملية الإنجاب والإنسال..