الصفحة 1502 من 3036

ومن جهة أخرى تروي لنا سيرة النورسي حال التحفظ والغض التي كان عليها في حياته الخاصة حيال المرأة، فقد روى أنه ظل يسكن عند بعض مضيفيه، ولم يكن يميز كبرى بناته من صغراهن، رغم جو المكاشفة والاندماج الذي كان له مع تلك الأسرة ومع أفرادها، وأنه ظل لا يعلم شيئا مما يخص حرمة ذلك المضيف إلا بعد أن نزل عالم آخر نفس البيت معه، وهنالك راح الضيف النزيل يحدثه عن خصائص تلك الأسرة وعن بناتها، الأمر الذي جعله يستنكر سلوك هذا النزيل، إذ اكتشف فيه فضولا ليس من شيم المتعففين..

وكانت له مواقف أخرى عديدة طفق يلوذ فيها بالإغضاء إذا ما جمعه المشهد بالمرأة ، من ذلك ما يحكيه عن سياحة قادته ذات يوم على ظهر زورق مع رفقة له من العلماء، فكان أن صادفوا تجمعا من النسوة العاريات الكاسيات على حاف الشاطئ، فلم يسع النورسي إلا أن يمضي المسافة كلها، إلى الشاطئ الآخر، ممسك الطرف، لا يرفعه إلى شيء، تجنبا أن تلتقي عيناه بالحرام.. وكان منظره موضع استطراف وتنكيت من قبل أولئك الرفقاء..

ولا يعني هذا أن النورسي يمتهن المرأة أو يزري بها أو يجعل من الاحتكاك بها أمرا منكرا يتجنبه الانسان، كلا، وإنما سلك منها هذا السلوك لما تميز به من إعلاء روحي يتحصن عن مواطن الريبة، ويقمع في ذاته دواعي التوق، مهما كان له من وثوق في نفسه التي كانت ملجمة بزمام الإيمان، ومكفوفة بحمية العبادة، وعلى درجة من الانضباط التعففي لا يخاف معها ضعفا ولا وقوعا في وهن..

ومن جهة أخرى لابد أن نستحضر النزوع التصوفي الطاغي على سيرته عامة، إذ كان رجلا محدود الصلات، حتى مع الأتباع والقرابة، وذلك كله يثبت المنزع الإختلائي، الاعتكافي، الذي سلكه..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت