فهرس الكتاب
لقد طفق النورسي يعرب عن إدراك عميق للواقع الحضاري الذي تعيشه مدنية الغرب .. إذ سجل أن جفوها وجليديتها العاطفية إنما جاءتها من أصولها الفكرية والوجدانية الإغريقو- لاتينية .. رغم انصهار هذه المدنية في بوتقة الانجيل .
".. إن دهاء الرومان واليونان - أي حضارتيهما - وهما التوأمان الناشئان من أصل واحد، قد حافظا على استقلالهما وخواصهما رغم مرور العصور وتبدل الأحوال، ورغم المحاولات الجادة لمزجهما بالنصرانية أو اِدماجها بهما، فلقد ظل كل منهما كالماء والدهن لا يقبلان الامتزاج، بل إنهما يعيشان الآن بروحيهما بأنماط متنوعة وأشكال مختلفة". (1)
إن واقع التضارب مع الدين ومع منطق التوحيد الذي تنم عنه وقائع الثقافة المدنية الغربية اللائكية، تكفي وحدها للتدليل على استحالة توقع التساكن والاندماج بين الاسلام وبين هذه المدنية"فلئن كان التوأمان مع وجود عوامل المزج والدمج والأسباب الداعية له، لم يمتزجا طوال تلك الفترة، فكيف يمتزج نور الهداية الذي هو روح الشريعة مع ظلمات تلك المدنية التي أساسها دهاء روما، لا يمكن بحال من الأحوال أن يمتزجا أو يهضم بعضهمها بعضا." (2)
(1) صيقل الإسلام ص358.
(2) صيقل الإسلام ص 358.