الصفحة 1515 من 3036

وقد يظهر هذا التشاؤم على أنه تناقض يصدر عنه النورسي حيال توقعاته التي لبث يؤكدها بشأن المصير الاندماجي للمسيحية الغربية والاسلام .. والواقع أن حكم النورسي هذا لا يعدو أن يكون معاينة واقعية ثبتها دلائل، إذ أن الغلظة والتوحش اللذين يسمان المدنية الغربية، إنما هما بسبب هذا التأثر البالغ بتراث الحضارة الأغريقو- لاتينية، وإن قيم تلك الثقافة هي التي تطبع وتحكم نظم الدول الغربية اليوم، وهي التي تمضي بتلك الدول نحو طريق الانسداد، وربما سيحملها تلاحق الصدمات والكوارث على أن تلتفت إلى الاسلام، فتجده ينتظرها فاتحا ذراعيه لاحتضانها ومسح دموعها.. وذلك هو ما تنبأ به النورسي انظلاقا من إيمانه بمقررات الوحي القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه..

مدنية الشريعة. مدنية المستقبل البشري

يتوقع النورسي، انطلاقا من روح مشبعة بنبوءة العقيدة، أن مدنية المستقبل هي مدنية الاسلام، فقد تُوَّجَ الله منظومة الرسالات بشريعة الإسلام، وهيأها أن تكون العقيدة الملاذ التي ستحضن في كنفها الأمم بعد أن تستبد بها الطرق والضلالات ..

لقد أيقن النورسي أن الاستيفاقة الحتمية للأمم المجروفة في العصر الراهن بمنجزات المدنية المادية سيدفع بها إلى اعتناق الاسلام والأخذ به والاعتصام…

ومن شأن ذلك أن يمهد للتحول الإيجابي الذي سيكفل للانسانية أن تعيش وفق شريعة الله وبحسب مشيئته التي تجعل من الانسان خليفته في الكون.. إنها مرحلة سيتجسد بها ذلك التحول الإنقلابي الجديد الذي سيسفر عنه طي صفحة المدنية المعاصرة، وما يعقبه من حتمية قيام صرح مدني اسلامي شامخ وكريم على أنقاضها.. ويومئد سيكون ثقل إسناد تلك المدنية - المنصاعة عن اختيار ورضى لتعاليم السماء - هو الحق بدلا من القوة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت