فهرس الكتاب
وإذا كان الميل العرقي شيئا من طبيعة الإنسان، أو من نوازع الألفة المغروسة فيه، فلا ريب أن نفسية الإنسان قد فطرت على التكيف والامتزاج مع نفوس نظرائها من البشر في كل الظروف، لأن جوهر البشرية يجعل من الكائن أخًا للكائن وإن تباعدا في الأوطان واختلفا في الألوان، وتلك خاصية امتازت بها سائر الأجناس والمخلوقات، بما أودع الله فيها من حكمة وقابلية اندماجية تجعل العنصر يتواصل وينخرط في جماعته بحكم الجنسية ووحدة الجوهر..
على أن هناك من الدوافع الحيوية والتغالبية ما جعلت الانسان منذ القديم يجنح إلى الانغلاق وإلى أن يعيش حياة القطيع والانقطاع، ومعاداة الآخرين ممن لا تجمعه بهم رابطة المكان والموطن ..
لقد وَلَّدَتْ تلك الصلات القبلية ثقافة ( الآخر) الأجنبي، ورسخت مع الأطوار نفسية العدوان والاجتياح، وتكرست على ذلك الوجه روح الحمية والنعرة، وأضحت العلائق بين الجماعات والممالك والأمصار محكومة بقيم المصلحة، وهو ما نما معه الاجتماع القومي، خصوصا وأن هناك من الديانات ما استجاب لهذا الوازع التعصبي، شأن الديانة اليهودية التي أناطت - كما أسلفنا - فلسفتها بالعرق، وأرست علاقاتها بالأجناس الأخرى على أسس استعلائية لا تمازجية، وذلك ما جعل تاريخ اليهود حافلا بالكوارث والنكبات.
ومع فجر النهضة الأوروبية انتعشت الفكرة القومية على نطاق واسع، وأججت بين دول الغرب شحناء التباغض والاصطراع، واستنزفت شعوبها وأممها في التقاتل طاقات وفداحات لا تحصى، لكن ذلك الواقع التعصبي مضى بها على طريق البناء القومي أو الوطني الذي - وإن لم يضمن لتلك الشعوب والأمم الاستقرار - إلا أنه هيأ لها مجالا للتنافس والتباري في التعمير والتصنيع، وذلك ما برر لرواج الفلسفات والإيديولوجيات القومية عندهم...
الثقافة اليهو- مسيحية مصدر روحي كرس فكرة القومية