فهرس الكتاب
أما الاسلام فقد أخذ منذ المنطلق بمبدإ الانسانية، إذ جاءت أوائل السور تخاطب الإنسان .. (إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق) العلق1-2. ولم تتقوقع المخاطبات القرآنية قط عند حد تجنيدي تتعالى به أمة على بقية البشر، ولم تستأثر فيه حمية قوميةٌ بامتياز أو اصطفاء تزعم به أن الله بات رهن إشارتها وقيد ملكيتها، ولكن القرآن نظر إلى الأقوام والشعوب على أنها مخلوقات إلهية مكرمة جميعا، مسددة بتعاليم الأنبياء والرسل وخاصة بالشريعة الغراء التي جاء بها خاتم النبيئين - صلى الله عليه وسلم -، ليتمايزوا في الحساب الأخير على أساس التقوى .. إذ التقوى هي معيار إلهي مناط بمدى الخدمة التي يقدمها الانسان المؤمن لصالح الانسانية والكائنات قاطبة.. من هنا لم يتورط القرآن العظيم - وحاشاه - كما تورطت الكتب التي تدعي أنها سماوية - في ذهنية العرق المقيتة، ولم يصنف الناس على أساس شعوبي استئثاري لا يقيم للإعتبار الإلهي وزنا..
لقد أضحى مقوِّم القومية في النظم الغربية فارزا أساسيا يفصل الشعوب عن بعضها بعضا، ويمايز بينها، ويدفع بها - من ثمة - إلى عتبة التباغض السافر والتقاتل الصريح ..
ولقد انتهت إلى الشعوب الاسلامية في مطلع هذا القرن مفاهيم الغرب وقيمه السياسية والإيديولوجية ،على يد دعاة الاستيلاب ممن استهوتهم تلك القيم وراحوا يتبنونها ويعملون على تسيير الأمة من خلالها، الأمر الذي كان يتعارض مع الروح الاسلامية التي لا تقول بالعرق، لأن مقوم الدين كان الشارة الملية التي تجمع تحت لوائها المسلمين أينما كانوا..
النورسي يحارب الفكرة القومية في صورتها التمزيقية المناهضة لروح الدين
من هنا وجدنا النورسي - ومعه قلة من المصلحين النيرين - يتصدى إلى الكشف عن حقيقة القومية، و كونها تقليدا مستجلبا لا يتلاءم مع عقيدتنا .