فهرس الكتاب
ومن الواضح إن مثل هذه الاستدعاءات التاريخية لا يقصد بها النورسي إثارة نعرة، ولكنه يريد أن يكوي به داء خبيثا رآه بدأ يستفحل ويأخذ في التفاقم، هو داء القومية التي كان شعارها المرفوع مِعْوَلًا آخر في يد المبيتين لضرب الملة وتفكيك الخلافة من دعاة التغريب ..
من هنا تعمد النورسي أن يستحضر الشواهد الصارخة، والأكثر صلة بوجدان الأمة قاطبة، كي يضع الأذهان في مواجهة الخطر الذي يتربص بها من خلال تلك الدعوات القومية..
لقد كان يدرك أن الأمة المتهالكة والتي طال سباتها، هي من الاستعداد للتحلل والتفكك ما أن يحرك فيها أي ناعق مغرض نزوع الفرقة والتشتت.. وكان يدرك أيضا أن حمل المندسين لشعار القومية كان يصطنع من المغريات والتسويغات ما يجعل مقصدهم يمر، وحيلتهم تنطوي على الأمة بسهولة .. من هنا راح يتوجه بأحاديثه إلى مواجد الأمة وعقلها ويقف بها عند تلك البقع الحمراء التي كان التاريخ السياسي الاسلامي يحتفظ بها كعوارض اختلالية بالغة الأثر على المسار الذي عرفه الاسلام ومدنيته جراءها..
لقد كان النورسي يخشى أن يعيد التاريخ نفس أخطائه، ولكن هذه المرة بِكَرَّةٍ ينقصم لها الظهر الاسلامي لأن جسد الأمة كان على حال من الخور لا توصف.. لذلك طفق يَصُدُّ المغرضين عن مقاصدهم، من خلال تبيان المخاطر والإبتلاءات التي جرتها القومية لا على المسلمين وحدهم ولكن على أمم أخرى كذلك..
بل لقد راح يكشف عما أحدثته النعرة القومية بين الدول الغربية نفسها والتي كانت مصدر استلهام أولئك المستلبين.. من هنا راح يؤكد أن أبناء تلك الشعوب الأوروبية، حين تورطوا في وحل العرقية"ودعوا إلى العنصرية وأوغلوا فيها، في هذا العصر، نجم العداء التاريخي المليء بالحوادث المريعة بين الفرنسيين والألمان، كما أظهر الدمار الرهيب الذي أحدثته الحرب العالمية، مبلغ الضرر الذي يلحقه هذا الفكر السلبي للبشرية". (1)
(1) المكتوبات ص 414.