فهرس الكتاب
وفي هذا الصدد، يتوجه إلى الشعب التركي ويذكّره بماضيه الإسلامي المجيد ضمن الحظيرة الملية التي تَمَكَّنَ من أن يرفع لواءها على مدى قرون من المنافحة والريادة الجهادية ..فالأمة التركية ظلت متماسكة لم تنقسم على نفسها بسبب إسلامها ..لذا وجب الحذر من مغبة التفكك والتيه وراء وهْمِ القومية .. فلا ينبعي أن يحتذي الأتراك بغيرهم من الأقوام التي رجحت نزوعها القومي سواء في أوروبا أو في آسيا، فتلك أمم قد يناسبها تفعيل التاريخ من زاوية عصبية، لكن الأمة التركية حاملة لواء الإسلام، لا ينبعي أن تسلك ذلك السلوك إلا إذ أرادت الانتحار ..
فالإسلام - إذا ما بعثت روحيته من جديد- قادر على أن يحقق النهضة الحضارية الأصيلة للأمة الاسلامية كما حققها لها في منطلق عهوده الأولى..من هنا لا يغيبن عن الأذهان أن الإسلام هو مصدر الإيقاظ والبعث لأمم المشرق، كما أن الفلسفة كانت مصدر نهضة أمم الغرب .."إن ظهور أكثر الأنبياء في آسيا وظهور أغلب الحكماء والفلاسفة في أوروبا رمز للقدر الإلهي، وإشارة منه إلى أن الذي يوقظ آسيا ويدفعهم إلى الرقي ويحقق إدامة إدارتهم هو الدين والقلب، أما الفلسفة والحكمة فينبغي أن تعاونا الدين والقلب لا أن تحلا محلهما.." (1)
أوروبا تجاوزت حدود دينها الشكلي المقيد، فانتصرت في المدنية
لقد حققت أوروبا ذلك الشأن البعثي بواسطة الفلسفة لأن الأوروبيين عدموا الدين الحق بسبب ما عرا المسيحية من تحريف، الأمر الذي جعل التمحيص لقيمهم الدينية يتحقق على صعيد الفلسفة، إذ لا ننسى أن أسس فلسفتهم هي في أصلها قراءة للكتاب المقدس، وتثوير له أو تفعيل لقيمه في الاتجاهين السلبي والإيجابي، الأمر الذي أغل لديهم هذا الكم الكبير من الفلسفات المتضاربة، والنابعة جملة -تقريبا - من وفاض الكتاب المؤسطر..
(1) المكتوبات ص.417.