فهرس الكتاب
من هنا كان تأخرهم وطيدا يوم كانوا متزمتين ومتشبثين بكتابهم، ولم يتحرروا إلا بعد أن ثاروا عليه، ومارسوا الاجتهادات المؤولة لمسلماته في اتجاهات تعاكس في كثير من الأحيان المرامي الحرفية للكتاب.
في حين ارتبط تقدم المسلمين بارتباطهم الحقيقي بكتابهم، كما أن تأخرهم وانحطاطهم لم يحدث إلا حين تخلوا عن هذا الكتاب المجيد .. من هنا يبدو الفرق واضحا بين المحفزات الروحية والنفسية التي أسندت كل جهة في صنع حضارتها.. الإسلام بالنسبة للمسلمين - لأنه دين الله الحق.. والفلسفة بالنسبة للغرب، لأن الغرب سدد من خلالها روحية كتابه المقدس التي غمرها التحريف والأباطيل حتى حولتها عن صورتها الأصل، الأمر الذي جعل أوروبا تتمرغ طويلا في وحل الانحطاط، حتى تأَتَّى لها أن تتجاوز معطيات الكتاب المقدس من خلال التوليد العقلي والفكري الذي هيأته الفلسفة كما أسلفنا..
لقد استبعد النورسي بقاء الخلوص العرقي للجنس التركي، إذ أن هناك هجرات متوالية طرقت المنطقة أو عبرتها - لا سيما بعد أن أضحت تركيا موئلا اسلاميا ومقرا لخلافة المسلمين - وتركت تلك الهجرا نتائجها على السلالة بفعل الاندماج، الأمر الذي انتفت معه الصراحة الدموية للعرق التركي، وهو ما يدحض دعاوى المنادين بالقومية ..
وفي هذا الصدد يتوجه الداعية بالخطاب إلى هؤلاء الذين يبدون حماسة شديدة للقومية السلبية بالنصح قائلا:
"إن كنتم حقا تحبون هذه الأمة حبا جادا خالصا، وتشفقون عليها، فعليكم إن تحملوا في قلوبكم غيرة تسع الإشفاق على غالبية هذه الأمة لا على قلة قليلة منها، إذ أن خدمة هؤلاء خدمة اجتماعية مؤقته، غافلة عن الله - وهم ليسوا بحاجة إلى الرأفة والشفقة - وعدم الرأفة بالغالبية العظمى منهم، ليس من الحمية والغيرة في شيء.." (1)
(1) المكتوبات ص.421.