الصفحة 1527 من 3036

ومما لا شك فيه أن ما خشيه النورسي على الملة قد تحقق في حياته، واستمرت مضاعفاته تتوالد إلى اليوم، وتعفر أنف البلاد التركية في الطين.. لقد تفتت الخلافة بأيدي المستلبين، وبقيت تركيا تتلفت ذات اليمين وذات الشمال كالعجوز العانس التي عاشت وهم الخطبة من عشيق وهمي انتظرته طويلا وناجته في خيالها، وتغزلت به في أشعار يقظتها ومنامها، ولكنه لم يأت، وأدركها العمر وازداد هوسها ويأسها من البشر، فباتت تترامى على الأشباح تحسبها عرسانا..

فالمستقبل التركي الذي ظلت الجهات المخترقة تمسك به، مستقبل مكفهر، والوضع في الولايات الشرقية يحبل بجنين يحمل سكينا وأنيابا كالحراب، والغرب الذي كان يواقع تركيا في الخفاء نبذها على رؤوس الأشهاد وركلها على أعين الملأ، وأما إخوة الملة ممن يجاورونها، فأن الاستيلاب يبني السدود المنيعة بينها وبينهم، وبقي هناك أفق واحد مازال يوهمها بالمساندة والتعضيد، أنهم أعداء الملة ممن لقنوا الزمرة المرتدة في أول عهدها ثقافة العقوق والخسران، هاهم يمضون في تلقين خلفها ذات القيم، فيما الجسم فريسة لإنهاكات لا ريب ستتمخض عن واقع شائه لمن اختاروا وتمادوا في الشرود عن حمى الاسلام..

لقد حارب النورسي ذلك الوجه السلبي من القومية المشؤوم الذي"يتربى وينمو بابتلاع الآخرين ويدوم بعداوة من سواه، ويتصرف بحذر، وهذا يولد المخاصمة والنزاع، وهو ما يرفضه القرآن العظيم بقوله: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، حمية الجاهلية، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها، وكان الله بكل شيء عليما) . فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف يرفضان رفضا قاطعا القومية السلبية وفكر العنصرية، لأن الغيرة الاسلامية الايجابية المقدسة لا تدع حاجة إليها.." (1)

مناهضة الفكر الشعوبي القومي، الشوفيني

(1) المكتوبات ص 414.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت